انتصارا لنفسه، فعندما يتحقق النصر فإنه يتحقق للإسلام وليس لذوات الأشخاص ولذلك ففي سورة النصر خير دليل: (( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) ) [1] ، فالنصر تحقق للإسلام لكن التقصير لا يزال فيهم وهم يحتاجون إلى استغفار وتوبة، وبنفس القياس فالولاء والبراء يكون على الدين وليس على ذوات الأشخاص، والنصر ليس على ذوات الأعداء ولكن على غياب الإيمان منهم.
ـ فالعزة بالإيمان وليست العزة بالنصر والغلبة، فالمؤمنون وهم مغلوبون هم أعزاء: (( وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ) [2] ، فالمؤمن لا يعتز بالنصر أو بأنه سوف ينتصر ولكن يعتز بإيمانه الذي في قلبه وأنه يسلك الطريق إلى معرفة الله ورضوانه.
ـ فالإنسان قد يرى أنه القوي فيرفض الخضوع: (( وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) ) [3] .
ـ صفات الإنعام تشمل: الرزاق والوهاب والوكيل والكفيل ... الخ.
ـ لكي يتحقق الشعور بأن الله له صفات الإنعام لابد من تحقيق ثلاثة أمور هي:
1 ـ الإحساس بالقيمة لمعنى النعم، أي الشعور بأن كل شيء مسخر وفيه فوائد للإنسان وبالتالي هو نعم للإنسان، والإحساس بمدى فائدة النعم للإنسان واحتياجه إليها وأنه بدونها لا تقوم حياته، أي الشعور بلذة التمتع بها، والشعور بألم الخوف من فقدها، ولا يشعر الإنسان بقيمة النعمة إلا إذا فقدها.
2 ـ الإحساس بأن هذه النعم ليست ملكا للإنسان وليست موجودة بذاتها وأن الإنسان لا يستحقها وأنه لم يأتي بها من كده وتعبه.
3 ـ والشعور بأن هناك من خلقها بشكل معين بحيث يقصد أن يكون فيها النفع للإنسان.
ـ الفرق بين اليقين النظري النظري واليقين الحقيقي بأن الله له صفات الإنعام:
ـ كل الناس يعرفون نعم الله تعالى ويوقنون بها، لكنها معرفة نظرية ويقين نظري عند البعض، حيث يتجاهلون ويتناسون ويتغافلون عن فوائد هذه النعم واحتياجهم إليها، كما يتجاهلون ويتناسون ويتغافلون عن أنها ملكا لله وليست ملكا لهم، ويشعرون كأنهم هم الذين يرزقون أنفسهم بكدهم وعملهم.
ـ اليقين الحقيقي بصفات الإنعام لله تعالى يؤدي إلى الخضوع والحب لله تعالى، فمن علم أنه لا يملك شيئا وأنه في أشد الحاجة إلى من يمده بما يحتاجه فإنه يذل نفسه لمن عنده النعمة ليعطيه، وهو أيضا ذليل لمن يعطيه لأن الحاجة ضعف والعطاء قوة فه عبد لإحسان الله إليه، وفي نفس الوقت هو محب لمن يعطيه لعطائه بغير استحقاق فهو محض فضل من الله، فكان من الممكن أن يوجدك الله ويتركك بلا عطاء فتهلك ولكن أنعم عليك.
ـ العطاء والكرم صورة من صور القوة:
ـ العطاء والكرم صورة من صور القوة، والاحتياج والعوز صورة من صور الضعف، فالذي يعطيك من غير أن تستحق فهو متكبر عليك بحق وأنت مستذل وذليل له بحق، فالمذموم هو التكبر بغير حق، ولأن القوة كلها لله فهو المتكبر، والضعف كله للمخلوقات فهي الذليلة، ففي تفسير الرازي: (( قوله: {المتكبر} ففيه وجوه أحدها: قال ابن عباس: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله والكبرياء عند العرب: الملك، ومنه قوله تعالى: {وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء فِي الأرض} [يونس: 78] ، واعلم أن المتكبر في حق الخلق اسم ذم، لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر، وذلك نقص في حق الخلق، لأنه ليس له كبر ولا علو، بل ليس معه إلا الحقارة والذلة والمسكنة، فإذا أظهر العلو كان كاذبًا، فكان ذلك مذمومًا في حقه أما الحق سبحانه فله جميع أنواع العلو والكبرياء، فإذا أظهره فقد أرشد العباد إلى تعريف جلاله وعلوه، فكان ذلك في غاية المدح في حقه سبحانه ولهذا السبب لما ذكر هذا الاسم قال: {سبحان الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} كأنه قيل: إن المخلوقين قد يتكبرون ويدعون مشاركة الله في هذا الوصف لكنه سبحانه منزه عن التكبر الذي هو حاصل للخلق لأنهم ناقصون بحسب ذواتهم، فادعاؤهم الكبر يكون ضم نقصان الكذب إلى النقصان الذاتي، أما الحق سبحانه فله العلو والعزة، فإذا أظهره كان ذلك ضم كمال إلى
(1) النصر: 1 ـ 3
(2) آل عمران: من الآية 139
(3) فصلت: من الآية 15