، فلا يفرح الإنسان بشيء من الدنيا، فمشكلة قارون أنه كان يفرح ويعتز بما عنده من مال ويظن أنه من كسب يده وبفضله هو: (( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي )) [1] ، فكل ما يعمله الإنسان أو يصنعه من تكنولوجيا مثلا أو يكتسبه من خبرة أو علم هو من الله ففي تفسير الطبري: (( عن قتادة"والله خلقكم وما تعملون [2] "بأيديكم ) ) [3] أي الله خلقك وخلق ما تعمله أنت بيدك، فليس لك فضل في شيء، فالأمر كله لله والفضل كله لله تعالى، فلابد ألا ينسى الإنسان الحكمة التي تقول: (رحم الله إمرءا عرف قدر نفسه) ، ورغم أن الإنسان مطالب بالأخذ بهذه الأسباب إلا أنها لا تنفع ولا تضر، فمن ناحية أنها لا تنفع ولا تضر فهي لعب ولهو، لأن الشيء الذي لا ينفع ولا يضر هو لعب ولهو، ولكن الله أمر بها كنوع من الاختبار ليرى هل سيفرح الإنسان بها ويعتز بها فتجعله يغفل عن الله أم يعملها وهو يعلم أنها لهو ولعب لا تجلب رزقا ولا تقدم ولا تؤخر؟، ففي تفسير ابن كثير: (( {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى} أي: الكافرة {أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا} أي: عذابنا ونكالنا {بياتا} أي: ليلا {وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} أي: في حال شغلهم وغفلتهم ) ) [4] .
ـ وكذلك الشعور بالمهانة والذل بسبب الفقر أو عدم وجود المكانة الاجتماعية أو الشهادة العلمية ... الخ، فهو بذلك يرى العزة في هذه الأمور الدنيوية رغم أنه لا يملك شيئا منها، والتحسر عند ذكر أصحاب الثروات أو النفوذ أو الدنيا، ويرى في نفسه الأنفة والكبر عن أن يصاحب فقراء أو من هم أقل منه في المكانة الاجتماعية، ويتبرأ من الأصحاب الذين هم أقل من مستواه الدنيوي، ويشعر بالخزي والعار إذا كان له أقارب فقراء أو لا يملكون شيئا من حطام الدنيا، وهكذا، وفي تفسير ابن كثير: (( وقوله: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي: ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض {لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غالب من اتبعه في أول البعثه ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قومُ نوح لنوح: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ} الآية [هود: 27] ، وكما قال هرقل ملك الروم لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل، فقال له: فهل اتبعه ضعفاء الناس أو أشرافهم؟ قال: بل ضعفاؤهم فقال: هم إتباع الرسل، والغرض: أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: {أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} ؟ أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير - لو كان ما صاروا إليه خيرا - ويدعنا، كما قالوا: {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11] ، وكما قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: 73] ، قال الله تعالى في جواب ذلك: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} [مريم: 74] ) ) [5] ، وفي تفسير ابن كثير أيضا: (( {فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} والملأ هم: السادة والكبراء من الكافرين منهم: {مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا} أي: لست بملك، ولكنك بشر، فكيف أوحي إليك من دوننا؟ ثم ما نراك اتبعك إلا أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منا ) ) [6] .
ـ فمقياس القوة والضعف عند المؤمن هو مقدار ما عنده من إيمان بالله وانتساب إليه وليس بامتلاك أمور الدنيا، فالقوة والعزة والعلو عند المؤمن هي قدر الإيمان عنده، والكافر والمنافق ضعيف ذليل لأنه لا إيمان عنده: (( وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ) [7] ، (( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) ) [8] ، (( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) ) [9] ، فالمسلم يستمد العزة من العزيز ويستمد العلو من الأعلى، لذلك فالمؤمن ينظر إلى الكافر على أنه ضعيف مسكين وإن كان يمتلك كل الدنيا، كما ينظر إلى حاله في الآخرة فيراه مسكين قد أهلك نفسه.
ـ العزة نوعين إما عزة بالله أو عزة بالدنيا، فتؤدي إلى حب الله أو حب الدنيا:
ـ من الناس من يفرح بأنه متدين لأنه يرى الدين أمر عظيم فيحبه ويحب أن ينسب نفسه له ويؤيده ويعتز بانتسابه له، فلا يرى الدين أعباء ولكن يراه خير له وكنز عظيم.
ـ ومن الناس من يفرح بأصحاب الثروات أو المناصب أو الشهوات أو يفرح بالثروات والمناصب والشهوات، لأن يرى أن هذه الأمور عظيمة القدر فيحبهم ويحب أن ينسب نفسه إليهم ويؤيدهم ويعتز بانتسابه لهم.
ـ سبب العزة بغير الله هو التزيين والغرور:
ـ الإنسان يشعر بالانتماء إلى القومية أو الحضارة أو التكنولوجيا أو المال أو الشهوات أو الكورة .... الخ، وذلك لأن الشيطان يزين للإنسان أن هذه الأمور ذات قيمة كبيرة في حين أنها ذات قيمة صغيرة، كما يجعل الإنسان ينسى قدر الله، فإذا وصل الأمر لدرجة أن يكون شعوره بقدر القومية أو الحضارة .... الخ أكبر من شعوره بقدر الله وانتماءه لله فهذا معناه وقوع الإنسان في العزة بغير الله التي هي وقوع في النفاق الأكبر.
ـ فالعزة معناها الفرح، فهناك من يفرح بالمال إذا زين له الشيطان أن فوائد المال عظيمة: (( إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) ) [10] ، وهناك من يفرح بالله عندما يشعر بفضله وبرحمته: (( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) ) [11] .
ـ فالعزة بالله من أهم موجبات حب الله تعالى، فالإنسان بفطرته يحب أن يكون فيه صفات الكمال والجمال فإذا لم تكن فيه أحب الانتماء إلى من له هذه الصفات فيعتز ويفرح بانتمائه إليه ولأنه يرى قوة القوى قوة له ولأنه يستمد منه العزة والقوة.
ـ الضعيف يحتمي بالقوى ويعتبر ذلك قوة له ضد غيره ممن لا يحتمي بهذا القوى، فإذا أراد أن يعتدي عليه أحد لجأ إلى القوى الذي يحتمي به لينصره عليه، فهو يخضع للقوى خوفا من مهابته وحبا له في ذات الوقت لأنه يستمد منه القوة، لذلك فالخضوع الناشئ عن خوف المهابة والحب أساس العبادة.
ـ أما الذي يرى نفسه قويا فهو لا يحتاج إلى أحد فهو يخضع لنفسه ويحب نفسه في نفس الوقت، فهو يعبد نفسه وفي نفس الوقت يجعل من نفسه إلها وكلاهما شيء واحد.
ـ حب صفات الكمال يؤدي إلى الخضوع حبا لله لينال العزة بالله:
ـ الله له كل الصفات المحمودة، والإنسان بطبعه يحب هذه الصفات ويحب من يتصف بها، ويعجب بها.
ـ فأنت مثلا إذا رأيت ساحرا يقوم بأعمال سحر فأنت تعجب به وتنبهر بما يعمله، فإن قدرة الله أكبر مما يعمله الساحر في أنها قدرة كبيرة على عمل أي شيء، وفي أنها قدرة حقيقية وليست سحرا وخيالا، فمثلا عندما خرجت ناقة صالح من الصخرة لم تكن خيالا حتى أنهم ذبحوها وأكلوها، وقدرة الله على خلق السماوات أعجب من السحر ولكنها حقيقة وليست سحرا.
ـ والإنسان يحب أكثر من تتميز هذه الصفات الحميدة عنده فتكون أعلى من الناس، فيحب من يضرب به المثل في الإنفاق أو أعمال الخير، ويحب من يحقق رقما قياسيا في بطولة رياضية مثلا، ويحب الانتماء إليه ومودته والعزة به، وقد يعلق صوره في بيته ويكثر من الحديث عنه وينسب نفسه إليه ويفتخر بقدرة ذلك الإنسان الذي جعله مثلا أعلى له.
ـ ولأن الله هو الأعلى في كل الصفات الحميدة، فمن شعر بالعلو والكمال في هذه الصفات لله تعالى شعر بحب الله وحب الانتماء إليه والحديث عنه وعن فضله، فيعتز بانتسابه إلى الإسلام، ويستمد فخره وشرفه وقوته من انتسابه إلى الإسلام.
ـ ولأن الرسول (ص) هو أعلى الناس في الصفات الحميدة كما أنه أرشد الناس وعرفهم بطريق النجاة (وهذه أعظم نعمة) ، فمن شعر بهذه الصفات للرسول (ص) شعر بحب الرسول (ص) وحب الانتماء إليه والحديث عنه وعن فضله، فيعتز بانتسابه إلى الرسول (ص) ، ويستمد فخره وشرفه وقوته من انتسابه إلى الإسلام، ويفرح بانتسابه إلى الله ورسوله والمؤمنين: (( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ) ) [12] .
ـ الشعور بأن الإنسان هو القوي العزيز المتكبر معناه أن الإنسان يقول بمشاعره أنه إله وليس عبدا:
ـ صفة القوة والعزة والنصر والقهر لله وحده، وصفة الضعف والذل والهزيمة للمخلوقات جميعا: (( أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) ) [13] ، (( فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) ) [14] ، وغير الله لا ينفع ولا يضر، وهذه الصفات تكون أيضا لما يتصل بالله باعتبار نسبتها إلى الله تعالى، فالقوة والنصر والعزة لكلمة الله وللإسلام وللمؤمنين باعتبار صفة الإيمان التي فيهم وليس لذوات أنفسهم، فالقوة للدين وليست للأشخاص، فهناك فرق بين الذين يريدون القوة لأنفسهم وبين الذين يريدون القوة للدين، فهناك من يخدع نفسه بأنه يطلب العزة والنصر والقوة للإسلام وهو في الحقيقة يطلب العزة والنصر والقوة لنفسه ليستمتع بها أو
(1) القصص: 76 ـ 78
(2) الصافات: 96
(3) جامع البيان عن تأويل القرآن (ج: 23، ص: 75) ـ محمد بن جرير بن يزيد الطبري ـ دار الفكر ـ بيروت
(4) تفسير ابن كثير - (ج 3 / ص 451)
(5) تفسير ابن كثير - (ج 3 / ص 261)
(6) تفسير ابن كثير - (ج 4 / ص 316)
(7) آل عمران: 139
(8) المنافقون: 8
(9) فاطر: 10
(10) القصص: من الآية 76
(11) يونس: 58
(12) المنافقون: من الآية 8
(13) البقرة: من الآية 165
(14) فاطر: من الآية 10