فقراء إليه محتاجون إليه، إن كل ما ينفع الإنسان فهو نعمة والله صاحب كل النعم، إذن غير الله لا ينفع ولا يضر، فالله هو النافع الضار، والإنسان يعتز بما ينفعه ولا ينفعه إلا الله، إذن لا يعتز الإنسان إلا بالله وبدينه، وقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمتى ابتغينا بغير الإسلام أذلنا الله ) ) [1] ، فينبغي أن ينظر المرء إلى الناس بقدر اتصالهم بالله فينظر إلى الإنسان الذي يرى أنه موصولا بالله باحترام وتوقير وحب في الله وإن كان لا يملك من الدنيا شيئا، وينظر إلى صاحب الدنيا (من مال وجاه ... الخ) الذي يبدوا عليه أنه بعيد عن الله بغير احترام ولا تقدير في نفسه، كما ينظر بعزة إلى الإنسان البسيط الذي لا يملك قدرات أو كفاءات أو خبرات، ينظر إليه باعتزاز إذا كان يراه يتجه بقلبه إلى الله ويعيش من أجل الآخرة، كما يعتز الإنسان بدينه فيشعر بأن اكتسابه للحسنات أفضل من الدنيا وما فيها.
ـ إن العزيز هو الذي تستمد منه العزة والفخر لتجد فيه عزتك، فمن الناس مَنْ يجد عزته وفخره بما عنده من مال أو جاه أو سلطان أو وضع اجتماعي .... الخ ونبين ذلك كالتالي:
ـ قد يعتز المرء بنفسه (عزة النفس أو كرامة النفس أو الكبر) ، وطالما أن الإنسان هو نفسه ملك لله تعالى فلا يعتز بنفسه، وإنما يعتز بالله، فالإنسان لا يجب أن يغضب لنفسه أو ينتصر لنفسه ولكن يغضب لله وينتصر لله، فهو يعمل لمصلحته ومصلحته في الجنة، وهذا هو المحرك للعمل، وقد يعتز بالمكان أو الوطن أو الزمان أو العصر الذي يعيش فيه، فالزمان والمكان مخلوقين وملك لله تعالى، وقد يعتز المرء بالأصحاب وإن الأصحاب نعمة وملك لله تعالى، فالله مالك كل شيء، إذن لا يأنس المرء إلا بالله، وقد تعتز المرأة بجمالها، فالجمال نعمة وملك لله تعالى ورزق من الله، فلا معني لأن يعتز المرء بما لا يملك، وقد يعتز المرء بقوته أو صحته أو ما يصنعه من تكنولوجيا ومخترعات فكل ذلك ملك لله تعالى (راجع الشعور بأن الله هو المالك) .
ـ الانتماء إلى الوطن أو القومية أو حضارة معينة كالفرعونية أو الجنس أو النسب أو العائلة أو المكانة الاجتماعية أو الشهادات العلمية والألقاب أو فريق كوره ... الخ بحيث يستمد الإنسان شرفه وعزه وفخره في هذه الأشياء وينسب نفسه إليها فذلك ذنب من الذنوب قد يصغر فيصبح صغيرة من صغائر الذنوب، وقد يكبر حتى يصبح ابتغاء للعزة في هذه الأشياء واتخاذهم آلهة ليكونوا لهم عزا، وذلك رغم اليقين التام بأن الله وحده هو العزيز وأنهم لا يجدون العزة إلا في الله ولكن كل ذلك يقين نظري وليس حقيقي، فهم إذا وصلوا إلى هذا الحد من تعلق مشاعرهم وهمومهم وأهدافهم بذلك وابتغاءهم العزة في غير الله فقد وقعوا في النفاق الأكبر من غير أن يشعروا بخطورة ما وقعوا فيه: (( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ) ) [2] ، (( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) ) [3] .
ـ وكذلك من يعتز بما معه من مال، أي يفرح بما معه من مال، أي يحس في نفسه بالسعادة بما يمتلك من المال وذلك مثلما فعل قارون: (( إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) ) [4] ، وكذلك من يفرح في نفسه بما معه من الدنيا والشهوات أو بالابتلاءات التي تحدث لغيره من الناس.
ـ وكذلك من يعتز بقوة جسمه أو بما عنده من علم وخبرة أو بجماله أو بما يمتلك من حطام الدنيا الفانية أو بآباءه أو أقاربه بما عندهم من سلطان وجاه وبما لهم من صلاحيات وقدرات، وكذلك التشبه بممثلين أو مغنيين أو لاعبين اعتزازا بهم وتفاخرا بالإنتماء إليهم الخ، فكل ذلك ذنوب تصغر لتصبح من صغائر الذنوب وتكبر لتصبح وقوع النفاق الأكبر لأنه يشعر بذلك أن العزة عند غير الله فيطلب العزة من غير الله.
ـ وكذلك الإنتساب إلى الآخرين ومودتهم لما عندهم من أسباب القوة كالشهرة أو المال أو القدرة على الحرب أو الجاه أو السلطان كموالاة المشركين ومودتهم لما عندهم من قوة ابتغاء العزة بهم ونصرتهم.
ـ ولأن كل أسباب القوة من مال وجاه وسلطان ... الخ هي ملك لله فلا يحق لأحد أن يدعي العزة عنده أو عند غيره (لما عنده من أسباب القوة أو لما عند غيره من أسباب القوة) ، فالعزة كلها لله لأن القوة كلها لله تعالى.
ـ وكذلك من يعتز بما اكتسبه من خبرة في عمله، أو بما اجتازه من نجاحات أو عقبات مرت به في حياته، أو من علم، فيشعر أن الفضل يرجع له، خاصة عندما تكون له كفاءات ليست عند غيره من الناس، ويشعر أن ما يتميز به عن غيره من الكثير من الناس أو بعضهم هو من كده وتعبه والفضل يرجع لذكائه مثلا أو لقدراته أو لخبرته، والمشكلة من ناحيتين هما أنه يضخم من حجم هذه الأمور الدنيوية البسيطة، وأنه يشعر بأن الفضل يرجع له، ويغتر بما عنده من قدرات، فينسى الإنسان قدره الحقيقي، وينسى ما كان عليه قبل أن يحقق هذه الأمور سواء من نجاحات أو اجتياز عقبات، وينسى أن ما في الدنيا من سعادة أو شقاء ليس بشيء لأن السعادة أو الشقاء إنما هي في الآخرة والدنيا زائلة بما فيها من سعادة أو شقاء ضئيلة وزائلة
(1) تفسير ابن كثير - (ج 4 / ص 40)
(2) مريم: 81
(3) النساء: 139
(4) القصص: من الآية 76