فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 166

فاليقين الحقيقي بأن الله وحده هو النافع الضار يؤدي الشعور بالتسليم والخضوع حيث يعلم الإنسان أنه ضعيف لا يملك لنفسه حول ولا قوة ولا يملك لنفسه نفع ولا ضرر.

ـ كما يؤدي إلى التوكل على الله والشعور بالاحتياج إليه والاعتماد عليه لأن الإنسان لا يستطيع أن يجلب لنفسه النفع ويبعد عن نفسه الضر ويحتاج إلى من يجلب له النفع ويبعد عنه الضرر.

ـ كما يؤدي أيضا إلى عدم وجود مشاعر أو هموم أو أهداف متعلقة بالدنيا أو أي شيء غير الله، لأن الشيء الذي لا ينفع ولا يضر لا قيمة له ولا يهتم به أحد، فلا يخاف من بطش أحد، (( يقول الإمام أحمد: لو صححت قلبك لم تخف أحدا، [وهذا العز بن عبد السلام يتقدم أمام أحد الملوك الطغاة، ويتكلم عليه بكلام شديد، فلما مضى قال له الناس: أما خفت يا إمام، فقال: تصورت عظمة الله، فأصبح عندي كالهر، والآن نرى من الناس من يخاف من: المسئول والضابط وغيرهما أكثر من خوفه من الله، وهذا لا شك دخن في قلب صاحبه، والعاقل خصيم نفسه] ) ) [1] .

ـ فإذا لم تكن هذه المشاعر السابقة موجودة فهذا يعني أن الاقتناع والإيمان بأن الله هو النافع الضار هو إيمان نظري فقط وليس إيمانا حقيقيا بأن الله هو النافع الضار.

ـ القيادة لها صور مختلفة فقد يكون الإنسان رئيسا أو زعيما أو ملكا من ملوك الدنيا أو مديرا لشركة مثلا أو حتى مسئولا عن أسرته وأولاده، وفي الحقيقة فإن كل صور القيادة بين الناس هي مجازية فقط، وجميع صور القيادة على وجه الحقيقة هي لله، فالله وحده الذي يعطي هذا ويمنع هذا، وهو وحده الذي يتكفل بأمر كل شيء، وهو وحده الذي يأمر وينهى (وإنما طاعة الرسول وأولى الأمر تابعة لطاعة الله) ، وكما أن القيادة يكون لصاحبها شرف وعزة ومكانة، فلا أحد له شرف أو عزة أو مكانة أو كبرياء، فالعزة كلها والكبرياء كله لله، وجميع الناس أذلاء فقراء مقهورين ضعفاء.

ـ إذا تصورنا أن الكرة الأرضية عبارة عن دولة واحدة لها ملك واحد، وهذا الملك له كل الصلاحيات وكل السلطات وجميع المناصب وهو الذي يدير كل شيء ويدبر كل شيء في مملكته، فهذا التصور يليق بالبشر فقط أما الله فليس ملكا على الأرض فحسب ولكن على الكون كله وبيده الأمر كله، وهو أيضا المالك الحقيقي لكل شيء في الأرض من مال أو مساكن أو متاجر أو شركات أو جبال!!.

ـ وإذا تصورنا أن هناك دولة لها حاكم يملك كل شيء في مملكته والناس كلهم خدام وعبيد عند هذا الحاكم ليس عندهم مال ولا يملكون حتى الملابس التي يلبسونها، والحاكم لا يعطيهم الطعام والشراب في مقابل خدمته وطاعته وإنما هو مجرد من وعطاء وتكرم ومحض فضل فهم لا يستحقون شيء ولا يملكون شيء، فهذا التصور يليق بالبشر فقط أما الله فهو الملك المتكبر والناس عبيد إحسانه أذلاء لمنه وعطاءه، وهو صنعهم من الطين ولكن ليس ليتسلى بهم كما يتسلى الإنسان بالدمى التي يصنعها وإنما خلقهم لحكمة وغاية هي عبادته.

ـ ومن هنا تفهم أيضا أن"لا إله إلا الله"تعني سلب كل صفة حميدة من الإنسان وإثبات كل الصفات الحميدة والكمال فيها لله، وما عند الإنسان من صفات حميدة إنما هو مما أعطاه الله له، فالإنسان لا قدرة له ولا علم له ولا إرادة له ولا شيء له إلا مما أعطاه الله إياه، وما أعطاه الله للإنسان لا يساوى قطرة من محيط مما عند الله، كما أنه لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بأمر الله تعالى، فلا يستطيع أحد أو شيء أن يعتمد على نفسه في حركته أو سكونه فيحتاج إلى الله ليتحرك ويحتاج إلى الله ليسكن، والنفس الذي تتنفسه هو من عند الله والماء الذي تشربه هو من عند الله تعالى.

ـ ولذلك عندما يمرض الإنسان فإن الله وحده هو الذي يشفي فيكون توكل الإنسان على الله ولجوءه إلى الله ثم يأخذ بالسبب طاعة لله، وكذلك إذا احتاج أمرا من رئيسه مثلا فإنه يلجأ إلى الله ويدعوه أولا لأن رئيسه لا يملك نفعا ولا ضرا فلا يتوكل عليه أو يخاف منه، ومن هنا تفهم مدى أهمية الدعاء ففي الحديث: (( الدعاء هو العبادة ثم قرأ {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} ) ) [2] .

ـ فالذي يوقن يقينا حقيقيا بأن الله هو الملك فإنه يشعر بخوف المهابة منه والخضوع خوفا من مهابته والخضوع لأمره والرجاء في عطاءه والخوف من منعه والحب لما أعطاه وحب الانتساب إليه والعزة به والتوكل عليه والخضوع حبا له.

ـ فمعنى أنك توقن أن لك ملكا له السيادة الكاملة عليك، فهذا معناه أن له وحده حق الأمر والنهي، وهذا معناه أنك تعيش خاضعا لأمره تبعا لما يريده هو، ولست تعيش تبعا لما تريده أنت وترغبه، وليس تبعا لما يريده أي أحد آخر ويرغبه، وحيث أنه يرعاك ويحميك ويعطيك وأوامره فيها النفع لك في الدنيا والآخرة وهو سبحانه لا يستفيد لنفسه شيء من هذه الأوامر فهو الغني عن الناس وكل شيء فأنت تحبه وتحب أوامره، فغياب الإحساس بأن الله هو الملك المسيطر المهيمن تؤدي إلى عدم المبالاة بأوامر الدين وعدم أخذها بجدية والتفريط فيها.

ـ فإذا لم يشعر الإنسان بألم الخضوع خوفا من مهابته ولذة الخضوع حبا له فهذا معناه أن يقينه بأن الله هو الخالق والمالك والملك والمسيطر والمهيمن والقهار والجبار والمتكبر هو يقينا نظريا فقط وليس يقينا حقيقيا، أي أن الإنسان لا يؤمن إيمانا حقيقيا بأن له إله، لأن كلمة إله تعني في الأصل أن هناك من هو ملك عليك ومسيطر عليك ومهيمن عليك وقاهر لك ومتكبر عليك وجبار له القدر الهائلة عليك، وكل هذا مفهوم بديهيا من أنه الخالق لك الذي صنعك فهو المالك لك الذي أنت جزءا من ممتلكاته.

ـ وفي تفسير ابن كثير: (( {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} أي: هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره ) ) [3] .

ـ إذا استشعر الإنسان المقارنة بين الكون والكرسي، فالكون كله بالنسبة إلى الكرسي مثل حلقة وضعت في صحراء، وفوق الكرسي العرش وهو أيضا هائل جدا بحيث أن حجم الكرسي إلى العرش مثل حلقة وضعت في الصحراء ففي الحديث: (( ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ) ) [4] ، والله سبحانه فوق العرش.

ـ فالسماوات كلها ضئيلة جدا أمام عظمة خالقها، ففي الحديث: (( يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ) ) [5] ، وفي حديث آخر: (( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ) ) [6] ، وفي حديث آخر: (( جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول أنا الملك أنا الله، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا مما قال الحبر تصديقا له، ثم قرأ(وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) )) [7] .

ـ عندما تتفكر في مدى عظمة هذا الكون من نجوم حجمها هائل جدا فوق مستوى الخيال، ومدى بعدها الهائل جدا فوق مستوى الخيال، هنا تشعر بأن قدرة الخالق فوق مستوى الخيال، وهنا فقط تشعر بمعنى قدرة الله، فلابد أن يكون شعورك مبهرا متعجبا من مدى قدرة الله.

ـ لو سمعت أن رجلا خارقا يستطيع أن ينقل الجبال أو يستطيع أن يبيد الناس في لحظة أو الخ، بماذا تشعر؟، إنك تشعر بالهيبة والخشية والرهبة، فان الله يستطيع ما هو أعظم من ذلك: (( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ) ) [8] ، ويستطيع أن يبيد كل البشرية في أقل من لحظة، فلماذا لا تشعر بنفس الشعور السابق؟، إن الشعور بأن الله هو القادر يعني الشعور بالخوف من مهابته، والشعور بالخوف من عقابه، والشعور بالخضوع لله تعالى والتسليم بقدرته، ويعني حب الانتساب إلى القادر والعزة به والتوكل عليه، وحب إعجاب بقدرته، لأنك إذا استعنت به فلن يستطيع أي أحد أو أي شيء أن يقف أمامك.

ـ أنظر إلى مدي ضعف الإنسان ومدى قدرة الله عليه، فالإنسان ضعيف في قوته وسمعه وبصره وعقله وعلمه وفي كل شيء والله له القدرة علي أن يفعل أي شيء وكل شيء، فإن الله سبحانه يقدر علي أن يلغي الزمان أو المكان أو يلغي الأسباب ومع الله لا تقل كيف؟، والإنسان ضعيف محتاج إلى نعم الله تعالى، فأكثر النعم نحن في غفلة عنها وعن قيمتها واحتياجنا لها إلا إذا سلبت منا، ولن نعرف عظمة المنعم الوهاب إلا إذا عرفنا قيمة وقدر هذه النعم، فالإنسان لا يستطيع أن يعيش بغير هذه

(1) امتحان القلوب - (ج 1 / ص 39)

(2) قال الشيخ الألباني: حسن صحيح (جامع الترمذي ج: 5، ص: 374، برقم 3247)

(3) تفسير ابن كثير - (ج 3 / ص 244)

(4) التخريج: صحيح (السلسلة الصحيحة ج: 1، ص: 223، برقم: 109)

(5) تحقيق الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 8101 في صحيح الجامع.

(6) تحقيق الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 8125 في صحيح الجامع.

(7) التخريج: متفق عليه (مشكاة المصابيح ج: 3، برقم: 5524)

(8) طه: 105

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت