النعم التي أنعم الله بها عليه كالماء والهواء، ولا يستطيع أن يقوم هو بنفسه فالله القيوم، فانظر إلى عظمة احتياجك إلى الله، فالله الصمد أي الذي يحتاجه الناس، والإنسان ضعيف، والله هو القادر علي أن يرزق كل الناس في وقت واحد، والقادر علي أن يعطي كل الناس مسألتهم في وقت واحد، وهذا معناه الخوف من سلب هذه النعم، والشعور بالضعف والنقص لأن هذه النعم التي لا تعيش بغيرها ليست في يدك ولا ملكا لك فالله هو المالك وأنت جزء من ملكه.
ـ لو قيل أن إنسان خارق يستطيع أن يحمل قطار بماذا تشعر؟ وإن قيل يستطيع أن يحمل جبلا بماذا تشعر؟، وأنت تعلم أن الله يستطيع أن يعمل كل شيء يمكن تصوره وأيضا ما لا يمكن تصوره، فالله يستطيع أن يلغي الزمان والمكان، فهذا يعني الشعور بالخوف.
ـ قدرة الله تعالى ليست محكومة بالأسباب فالله سبحانه هو الذي يشفي وهو الذي يعطى ويمنع وهو الذي خلق الأسباب وخلق القانون الذي تسير به الأسباب، فمثلا الإنسان قد يموت بدون أي سبب عضوي مطلقا وقد يشفى من مرض كذلك بدون أي أسباب.
ـ الحكمة من وجود الزلازل والبراكين وخسوف الشمس وإهلاك الأمم كعاد وثمود ومعجزات الرسل وغير ذلك من عجائب قدرة الله هو أن الله يظهر للناس بعضا يسيرا من قدرته حتى يشعروا بمدى قدرة الله فيخافوا من مهابة قدرة الله سبحانه، ففي الحديث: (( خسفت الشمس فقام النبي صلى الله عليه وسلم فزعا يخشى أن تكون الساعة فقام حتى أتى المسجد فقام يصلي بأطول قيام وركوع وسجود ما رأيته يفعله في صلاته قط ثم قال إن هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يرسلها يخوف بها عباده فإذا رأيتم منها شيئا فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره ) ) [1] ، ولذلك يقول تعالى: (( وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ) ) [2] ، فالله يخوف الناس بهذه الآيات التي تظهر قدرته ولكن هناك من لا يخاف من مهابته: (( وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ) ) [3] .
ـ وقد أهلك الله الذين اغتروا بقدرتهم وإمكانياتهم ومدنيتهم:
ـ فقوم عاد كان عندهم من صور القوة والمدنية الكثير: (( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ ) ) [4] ، (( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) ) [5] فكان مصيرهم: (( وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) ) [6] ، وهذا هو مصير الذين يعظمون الدنيا فيغترون بما فيها: (( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ) [7] ، (( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَانَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ) ) [8] ، (( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ) ) [9] ، (( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) ) [10] ، (( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) ) [11] ، (( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ، وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ) ) [12] .
ـ ملحوظة:
ـ جاء في الحديث: (( أسرف عبد على نفسه حتى حضرته الوفاة قال لأهله إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من خلقه قال ففعل أهله ذلك قال الله عز وجل لكل شيء أخذ
(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن النسائي ج: 3، ص: 153، برقم: 1503)
(2) الإسراء: من الآية 59
(3) الإسراء: من الآية 60
(4) فصلت: 15
(5) الشعراء: 128، 129
(6) الحاقة: 7
(7) الروم: 9
(8) الأنعام: 6
(9) مريم: 74
(10) غافر: من الآية 83
(11) الأحقاف: 26
(12) الفجر: 6 ـ 13