1 ـ غيبيين أو أخرويين أو ربانيين أو عارفين (عندهم إحساس بالقيمة للغيبيات) : فهؤلاء محور حياتهم يدور حول الغيب، أي قضيته التي يعيش لها هي قضية غيبية، وهؤلاء هم العارفين بالله معرفة حقيقية (والإنسان في نفسه فقط يعلم هل المعرفة الحقيقية موجودة في القلب أم لا؟) ، فكل همهم وتفكيرهم ومشاعرهم هو انتظار مجيء الحياة الأخرى والاستعداد لها، فإنك عندما تتكلم مع إنسان وتتعايش معه قد تشعر علي سبيل الاحتمال أنه ليس في مشاعره ولا في حساباته شيء اسمه الجنة أو النار أو أن هناك ربا يسمعه ويراه: (( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) ) [1] ، في حين عندما تتكلم مع إنسان آخر وتتعايش معه تشعر بأنه رجل غيبي أخروي رباني بمعنى أن عيشته وفكره وقضيته وسلوكه تدل على أنه يعيش في انتظار حياة أخرى، ويعيش كأنه يفر من أحد أو يخافه (يفر من الله ويخافه) ويعيش معيشة المسافر الغريب عن وطنه وأهله.
2 ـ دنيويين أو علمانيين أو دهريين أو جاهلين (ليس لديهم إحساس بالقيمة للغيبيات) : فهؤلاء لا يشعرون بالآخرة أو شعورهم بالآخرة أقل من شعورهم بالدنيا، وهؤلاء جاهلين بقدر الله وعظمته، وقد يكونوا مسلمين ويعملون أعمالا وعبادات إسلامية لكن يقينهم بالله والآخرة والغيبيات يقين نظري فقط وحقيقة مشاعرهم أنها معرضة عن الشعور بالغيب، فتعامل مشاعرهم مع الغيب كأنه هزل أو أساطير أو أوهام أو خرافات أو حواديت، فلا يشعرون بحب الله أو الخوف منه أو الخضوع له أو الخوف من النار أو حب الجنة.
ـ غياب الإحساس بقدر الله ورد في القرآن بتعبيرات مثل النسيان كما في قوله (( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) ) [2] ، (( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) ) [3] ، وعدم العلم، ففي تفسير الطبري: (( وقوله:(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) يقول تعالى ذكره: بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون قدر عظمة الله )) [4] ، والجهل، ففي تفسير ابن كثير: (( {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} أي: تجهلون عظمة الله وجلاله ) ) [5] ، وعدم الفقه، ففي تفسير القرطبي: (((ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) أي لا يفقهون قدر عظمة الله وقدرته )) [6] ، وعدم المهابة، ففي تفسير الطبري: (( عن مجاهد(مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) قال: كانوا لا يبالون عظمة الله )) [7] ، وعدم التذكر، ففي تفسير الطبري: (( وقوله:(قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ) يقول: تَذَكُّرًا قليلا من عظمة الله وأياديه عندكم تذكرون وتعتبرون حجج الله عليكم يسيرا، فلذلك أشركتم بالله غيره في عبادته )) [8] .
ـ الإنسان الطبيعي لا يمكن أبدا أن ينسى الله والغيبيات، فالإنسان يعيش طول حياته وهو مراقب في كل لحظة من الله ومن الملكين فهل هذا يمكن نسيانه؟!، والإنسان طوال حياته محتاج لمن يمده بما يحتاج من ماء وهواء ورزق وعين تظل تعمل وقلب يظل يدق فهل يمكن نسيان من يقوم لك بهذا؟!، والإنسان واقع تحت سيطرة وتصرف أحد يفعل به ما يشاء في كل لحظة هو خالقه من الطين فهل يمكن أن ينسى ذلك؟!، والإنسان بعد لحظات قليلة يلاقى أهوال القيامة والجنة والنار فهل يمكن أن ينسى ذلك؟!.
ـ ولكن الإنسان الميت غاب عنه الإحساس بالقيمة فأصبح يعيش كأنه فاقد الوعي لا يدري ما حوله لذلك فهو ينسى الله وينسى الآخرة.
ـ الإحساس بمعنى كلمة (خالق) أو (رب)
ـ مجرد العلم بأن لنا خالقا فهذه ليست معلومة سهلة لأن معناها أننا نعيش حياتنا خاضعين للخالق وأننا عبيدا خاضعين تحت سيطرته وقهره.
(1) محمد: من الآية 30
(2) التوبة: 67
(3) الحشر: 19
(4) تفسير الطبري - (ج 19 / ص 484)
(5) تفسير ابن كثير - (ج 3 / ص 467)
(6) تفسير القرطبي - (ج 18 / ص 35)
(7) تفسير الطبري - (ج 23 / ص 634)
(8) تفسير الطبري - (ج 19 / ص 485)