قضية وجود النفاق أو عدم وجوده لأنه لا يشعر أصلا بخطورة الجنة والنار ولا يشعر بخطورة ما ينفعه مما يضره، فهو غافل عن نفسه قد نسي نفسه، لأنه فقد الإحساس بالقيمة فأصبح كأنه لا عقل له وكأنه ميت لأن وظائفه تعطلت.
ـ إن معرفة هل اليقين الحقيقي موجود عندك أم لا هى قضية خطيرة جدا لأنها يترتب عليها الخلود في الجنة أو الخلود في النار، وبتعبير آخر هل الإحساس بالقيمة تجاه الله والآخرة الغيبيات موجود أم لا، وبتعبير آخر هل تشعر بخوف المهابة من الله فعلا وهل تشعر بالحب والخوف من عقابه والرجاء في ثوابه؟، وبتعبير آخر هل عندك استعداد نفسي للقاء الله؟ وهل حياتك كالمسافر الذي يستعد للرحيل؟، وبتعبير آخر هل تشعر بحلاوة الإيمان والتي هي علامة تحقيق الإيمان في القلب؟.
ـ الإنسان يعرف في نفسه هو فقط الإجابة على هذه الأسئلة، وبالتالي يعرف هل اليقين الحقيقي موجود عنده أم لا؟.
ـ فالإنسان الذي لم يتحقق عنده اليقين الحقيقي يعرف ذلك في نفسه، ويعرف نظريا أن قضية وجود اليقين الحقيقي خطيرة جدا، ولكنه لا يشعر بخطورة هذه القضية، فلا يشعر بخطورة أمر الجنة والنار لأن الإحساس بالقيمة غير موجود عنده، فكما أنه نسي الله والآخرة، فهو أيضا نسي نفسه أي لم يعد يشعر بخطورة ما ينفعه مما يضره: (( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) ) [1] ، لذلك فهو يتغافل ويتجاهل ويتناسى ويتعامى عن مسألة عدم وجود اليقين الحقيقي عنده ولا يلقي لها اهتماما أو بالا ويظل يتلهى عنها بأمور الدنيا حتى يموت.
ـ فهو يعلم تماما أن لا يشعر بحب الله رغم أنه يقسم لك بأنه يحب الله، وكذلك لا يشعر بالخضوع ولا الخوف ولا الرجاء ويقسم بعكس ذلك وبأنه يعيش من أجل رضا الله: (( وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ) [2] ، لأنه لا يريد أن يحرج نفسه أمام الناس أو يتهمه الناس بعدم الإيمان: (( اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) ) [3] ، بل إنه يأتي يوم القيامة فيقسم لله بأنه غير مشرك: (( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) ) [4] .
ـ فالإنسان الذي يعيش لنفسه وليس لله يعلم ذلك ويعلم في نفسه أنه يعيش في غفلة عن الله والآخرة وأنه يتعمد التغافل عن الله والآخرة وأنه لم يحقق في نفسه الخضوع والحب لله تعالى لأنه لا يحب هذا الشعور بالاستسلام لغيره ولا يحب أن يعيش لغير نفسه ودنياه، ويعلم نظريا أن هذا الأمر خطير لأنه يؤدي به إلى الخلود في النار، فهو يعلم نظريا خطورة هذا الأمر لكن لا يشعر بخطورة هذا الأمر لأن الله والآخرة ليس لهما قيمة في مشاعره.
ـ وهو لا يستطيع أن يجهر بما يعلمه عن نفسه لأنه أصلا لا يشعر بأنه أمر خطير كما لا يريد أن يحرجه الناس أو يتهموه بالنفاق، فيلتزم بالإسلام اسما ومظهرا ويؤدي أعمالا إسلامية، ولأنه لا يشعر بقيمة أي شيء فهو لا يشعر بحقيقة ما يعمله من الأعمال الإسلامية.
ـ فالإنسان إذا نظر إلى نفسه فإنه يعلم أن الله والآخرة والغيبيات ليس لها وجود في مشاعره، ويعلم أن ذلك يقين نظري هزلي غير جاد وليس بيقين حقيقي لكن لا يهمه الأمر ويتجاهله لأنه ليس لديه إحساس بخطورة القضية.
ـ كما يمكنك أن تعرف في نفسك هل عندك شك وما مقدار اليقين الحقيقي في قلبك، وذلك بأن تكتشف في نفسك كم يمثل قدر الله وقدرته من الأهمية في شعورك؟ وكم يمثل قدر الآخرة من الأهمية والخطورة في شعورك؟ وكم يمثل قدر الدنيا من الضآلة في شعورك؟.
ـ كما يمكنك أن تحدد في نفسك بدقة هل في قلبك حب الله والخضوع له والخوف منه ورجاءه والتوكل عليه، وذلك بأن تعرف هل الحالة النفسية المميزة لكل شعور من هذه المشاعر موجودا عندك أم لا؟ (وسوف نبينها في الفصل الخامس) ، فإذا لم تكن الحالة النفسية موجودة فهذه المشاعر غير موجودة.
ـ وإذا رأى الإنسان أن المواعظ لم تعد تؤثر فيه، فيسمع كل يوم عن موت فلان وفلان فلا يتأثر، ويسمع المواعظ من الخطباء فلا يتأثر، ويسمع عن عواقب الذنوب في الآخرة فلا يرجع لأنه أصلا لا يشعر بالآخرة، ولا يحب الحديث عن الموت والآخرة بينما يحب الحديث عن لهو الدنيا: (( وَإذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخرة وَإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) ) [5] ، (( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ) [6] ، فعندئذ يعلم في نفسه فقط أن قلبه قد مات.
ـ الناس صنفين:
(1) الحشر: 19
(2) المجادلة: 14
(3) المنافقون: 2
(4) الأنعام: 23
(5) الزمر: 45
(6) لقمان: 7