ـ التكذيب باللسان هو أن يقول الإنسان بلسانه أنه لا يؤمن بالله أو بالرسل أو بالآخرة أو بالغيبيات، ولكن التكذيب بالاقتناع النظري فهو مستحيل الوجود لأن أي إنسان غير المجنون والصبي بمجرد أن يسمع دعوة الرسل فإنه يجيبهم لأنها دعوة واضحة بالبينات والحجج، والملحدين هم في قرارة أنفسهم يؤمنون نظريا بوجود الله وإذا جادلوا فإنهم يجادلون بغير علم وهم يعلمون الحق.
2 ـ التكذيب بلسان المشاعر (بغياب الإحساس بالقيمة وخوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع) :
ـ الإنسان قد يقول بلغة المشاعر ما لا يقوله بلغة القول باللسان، فقد يقول الإنسان بلسانه وبيقينه النظري شيء ولكن بمشاعره يقول شيء آخر، فالمشاعر تكشف حقيقة القول عند الصادق والكاذب في إدعائه الإيمان.
ـ فالمسلم الغافل عن الله والآخرة ليس لله في شعوره قدر ولا قيمة ولا للآخرة، فهو يقول بلسانه لا إله إلا الله وعنده يقين نظري بذلك، لكن حقيقة اليقين عنده هو أنه لا إله ولا حياة إلا الحياة الدنيا، أو لا إله إلا المال أو المظاهر ... الخ.
ـ فمثلا قد يكون عند الإنسان يقين نظري تام بأن قيمة المال ضئيلة ويقول ذلك بلسانه، لكن إحساسه وانبهاره بعظمة قيمة المال كبير، فحقيقة اليقين عند هذا الإنسان هو أن المال عظيم القيمة، ويتضح حقيقة اليقين عند الإنسان من أثر غياب الإحساس بالقيمة على مشاعره وعمله فقد تجد قلبه يتقطع حبا للمال وهمه مشغول بجمعه وكل عمله لتحصيل المال ثم يقول بلسانه واقتناعه النظري أن المال لا قيمة له، فهذا الإنسان يحاسب يوم القيامة على حقيقة يقينه أن المال عظيم القيمة عنده.
ـ ومثلا كل إنسان عنده اقتناع نظري تمام وبلا أدنى شك أنه قد يصل إلى سن الشيخوخة وتضعف قواه أو أنه قد يتعرض لأمراض أو محنة، لكن بلسان المشاعر فكأنما يقول: لن أمرض او أضعف أو أصل إلى الشيخوخة أو لا أريد أن أمرض او أضعف أو أصل إلى الشيخوخة، فهذا في لغة المشاعر هراء ولا يمكن أن يحدث أبدا!: (( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) ) [1] ، إن الإنسان لو شعر فعلا بخطورة أنه قد يتعرض للمرض والمحن لشعر بالخوف والقلق وشعر بمدي ضعف الإنسان وشعر بأن هناك قوة أعلي من الإنسان تفعل به ما تشاء، وشعر بالخضوع لهذه القوة، ولتغير حاله تماما، ولذلك من الناس من إذا وصل إلى سن الشيخوخة، أو من النساء من إذا وصلت إلى سن اليأس، أو إذا تعرض لمرض أو محنة فإنه يستنكر ذلك ولا يسلم به ويحدث له اكتئاب شديد لأنه لا يريد لنفسه أن يمرض ولا يريد أن يموت رغم أن الناس من حوله يمرضون ويموتون، فهو بمشاعره يعترض أولا على إمكانية حدوث المرض أو المحنة، وينشأ عن ذلك أنه يعترض أيضا بمشاعره على الله وأن ذلك مقدر أو بأن هذا ظلم وتعدي من الله عليه بدون وجه حق، ونفس الشعور قد يحدث له عند خروج الروح لأنه يسلب منه كل شيء، وذلك رغم الإيمان النظري التام بالقضاء والقدر، وذلك الإيمان النظري عندئذ لا قيمة له، ولذلك فالشرع يعبر عن الإيمان بالقضاء والقدر بالرضا بالقضاء والقدر، والرضا هو شعور داخلي وليس مجرد يقين نظري، فعدم الرضا هو اعتراض بالمشاعر وإن كان موقنا يقينا نظريا وإن كان يقول بلسانه أنه راض وفي الحقيقة الشعور بالرضا غير موجود فقلبه متسخط.
ـ ومثلا آيات القرآن تبين أن الدنيا لعب ولهو والإنسان يصدق بذلك، لكن تتأثر مشاعره بشدة بالأعمال الدنيوية، فهو بذلك يقول بمشاعره أن الأعمال الدنيوية وأمور الدنيا غاية في الأهمية، فحقيقة اليقين عنده أن الدنيا ليست لعب ولهو، وإن كان يقول بلسان المقال وبلسان الاقتناع أنها لعب ولهو كما تقول الآيات بذلك.
ـ والعكس صحيح مع الغيبيات فإحساسه بقيمة وخطورة الغيبيات وتأثر مشاعره بها غير موجود، فهو بذلك يقول بلسان المشاعر أن الغيبيات لعب ولهو، وإن كان يقول بلسان المقال وبلسان الاقتناع أنها غاية في الأهمية والخطورة كما تقول الآيات بذلك، فغياب الإحساس بالقيمة يؤدي إلى التجاهل والتعامي والتغابي والتناسي والتغافل والتشاغل والتلهي عن الله والآخرة، وهذا معناه أن الإنسان يقول بلسان المشاعر أنه لا وجود للخالق ولا وجود للآخرة، رغم وجود المعرفة النظرية التامة بالله والآخرة.
ـ الغافل يتغافل عن أنه غافلا!، بمعنى أنه يعلم أنه يتغافل عن الله والآخرة ويعلم أن ذلك الأمر يورده الخلود في النار، لكنه يتجاهل وقوعه في الغفلة كأنه لم يقع فيها، ويتجاهل أن الغفلة تورده الخلود في النار، ولا يشعر بخطورة الغفلة ولا يشعر بخطورة قضية وجود أو عدم وجود الغفلة، لأنه لا يشعر أصلا بخطورة الجنة والنار ولا يشعر بخطورة ما ينفعه مما يضره، فهو غافل عن نفسه قد نسي نفسه: (( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) ) [2] ، فهذا هو المنافق يعلم أنه منافقا لكن يتجاهل أنه منافقا ويتناسى الأمر ولا يشعر بخطورة النفاق كأنه لا مشكلة فيه أي يتجاهل خطورة النفاق ولا يشعر بخطورة
(1) البقرة: 96
(2) الحشر: 19