فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 166

ـ وفيما يلي نبين كيف يكون الإحساس بضآلة شهوات الدنيا الثلاثة في حد ذاتها كالتالي:

ـ أولا: الإحساس بضآلة شهوة المال في حد ذاتها

ـ السعادة المادية في الدنيا ضئيلة وتتحقق بثلاثة أشياء هي ما جاء في الحديث: (( من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) ) [1] ، فالإنسان لا يحتاج من الدنيا سوى إلى ثلاثة أمور هي:

1 ـ مكان ينام فيه: لأنه لو نام في الشارع لنام وهو قلق غير آمن فقد يدوسه شيء أو يؤذيه حيوان أو يسرقه سارق أو يضره التعرض للهواء المباشر، لذلك يحتاج لمكان محاط بأسوار وسقف حتى يحميه فيستطيع النوم فيه، ومهما توسع الإنسان في إمتلاك القصور فلا تزيد وظيفة هذه القصور عن أنها مكانا ينام فيه آمنا.

2 ـ لقمة يأكلها: لا يحتاج الإنسان من الطعام سوى لقيمات تسد جوفه، ومهما توسع الإنسان في ألوان الطعام والشراب من الفواكه والأطعمة المختلفة فجميعها يتحول إلى براز يحمله الإنسان في بطنه وينزل إلى المجاري، فلو زاد عن ذلك تعرض للأمراض، وفي الحديث: (( إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير ) ) [2] ، وفي حديث آخر: (( عن الضحاك بن سفيان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له يا ضحاك ما طعامك قال يا رسول الله اللحم واللبن قال ثم يصير إلى ماذا قال إلى ما قد علمت قال فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا ) ) [3] ، فالمعدة عبارة عن خزان يمتلئ ليفرغ ويفرغ ليمتلئ، وهذا ما يؤكده الحديث: (( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه ) ) [4] ، فالمعدة مجرد وعاء يملأه الإنسان ليفرغ ويفرغ ليمتلئ، وهو أسوأ وعاء لأنه كلما امتلأ فرغ ما به وتحول إلى براز يحمله الإنسان في بطنه طوال ليله ونهاره ويخرج منه كأقذر شيء!.

3 ـ أن يكون غير مصاب بالأمراض التي تعيقه عن أن يعيش سويا.

ـ فهذا المستوى كافي لأن يعيش الإنسان سعيدا من الناحية المادية، ولا يحتاج الإنسان أكثر من ذلك، والإنسان يتوهم أن الإستزادة والتوسع عن ذلك في وسائل الراحة يحقق له سعادة أكثر، وفي الحقيقة كلما استزاد لا يشعر بسعادة أكثر، والإنسان ما لم يقتنع بأن هذه الأمور الثلاثة كافية ليعيش سعيدا هو أضاع على نفسه الشعور بهذه السعادة، لذلك سيظل يسعى طول عمره لمزيد من التوسع من أمور الدنيا ولن يجد السعادة، لذلك ففي الحديث: (( منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا ) ) [5] ، وفي حديث آخر: (( لو أن لابن آدم واديا من ذهب لابتغى إليه ثانيا ولو أعطي ثانيا لابتغى إليه ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ) ) [6] ، وفي حديث آخر: (( إن هذا المال خضر حلو فمن أخذه بحقه بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى ) ) [7] .

ـ لو أن إنسان جائع وعريان ولا يملك شيئا، فإذا جاءته لقمة أحس بفضل كبير وسعادة كبيرة ومتعة كبيرة بهذه اللقمة، وأحس بالشكر والفضل والتوقير لمن أعطاه هذه اللقمة، وكذلك فالأصل أن الإنسان جائع وعريان ولا يملك شيئا، وما عنده من طعام وملبس ومسكن جاءه من الله من غير أن يكون مستحقا لذلك، فهو محض كرم وفضل ومنة من الله، إذن لابد أولا من الشعور بأن الإنسان جائع وعريان ولا يملك شيئا وأن المالك لما عندك من مأكل ومشرب ومسكن ومال والمالك لكل شيء هو الله تعالى (راجع الشعور بأن الله هو المالك بالفصل الثاني) ففي الحديث القدسي: (( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ) ) [8] ، فمن شعر بأنه جائع وجاءته لقمة أو عطشان وجاءته شربة ماء قنع بها لأن ذلك بالنسبة له خيرا عظيما لم يكن يتوقعه ولم يكن يستحقه وكان محتاجا إليه وأن ذلك أفضل مما كان عليه بكثير، لذلك فالشعور بالقناعة هي اعتراف بنعم الله فذلك شكر لله تعالي ففي الحديث: (( كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قنعا تكن أشكر الناس وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ) ) [9] ، ومن هنا تعرف أن القناعة سعادة كبيرة لأنه شعور بامتلاك ما لم تكن تستحقه وما لم تكن تتوقعه وبمدى قيمة النعمة وفائدتها لك ولو كانت شربة ماء، لذلك فالفقر الحقيقي هو الشعور بالإحتياج، والغنى الحقيقي هو الشعور بعدم الإحتياج وعندئذ يستمتع الإنسان بما عنده ففي الحديث: (( ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس ) ) [10] ، وفي حديث آخر: (( يا أبا ذر أترى أن كثرة المال هو الغنى إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب، من كان الغنى في قلبه فلا يضره ما لقي من الدنيا، ومن كان الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له في الدنيا وإنما يضر نفسه شحها ) ) [11] ، وفي حديث آخر: (( سأل موسى ربه .... قال فأي عبادك أغنى قال الذي يرضى بما يؤتى، قال فأي عبادك أفقر قال صاحب منقوص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن ظهر إنما الغنى غنى النفس وإذا أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه وتقاه في قلبه وإذا أراد الله بعبد شرا جعل فقره بين عينيه ) ) [12] ، وفي حديث آخر: (( من كانت نيته الآخرة جعل الله تبارك وتعالى الغنى في قلبه وجمع له شمله ونزع الفقر من بين عينيه وأتته الدنيا وهي راغمة فلا يصبح إلا غنيا ولا يمسي إلا غنيا ومن كانت نيته الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه فلا يصبح إلا فقيرا ولا يمسي إلا فقيرا ) ) [13] ، وفي حديث آخر: (( من كانت الدنيا همته وسدمه ولها شخص وإياها ينوي جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه ضيعته ولم يأته منها إلا ما كتب له منها ومن كانت الآخرة همته وسدمه ولها شخص وإياها ينوي جعل الله عز وجل الغنى في قلبه وجمع عليه ضيعته وأتته الدنيا وهي صاغرة ) ) [14] .

ـ فمن الناس من تتوافر عندهم أسباب السعادة المادية ورغم ذلك يعيشون حياة الملل وعندهم مشاكل؟!!، والذين حققوا كل ألوان السعادة المادية عندهم إكتئاب نفسي وعندهم أكبر نسبة انتحار لأنهم أشبعوا الجسد ولم يشبعوا الروح، ولأنهم لا يعقلون أنه شاء الله أن لا تكون الدنيا دار سعادة، ولأن الدنيا منتهية فلا قيمة لما يحصده الإنسان من أمر منتهي، ورغم أن البعض يعرفون حال هؤلاء الناس الذين حققوا ألوان من أسباب السعادة الدنيوية ولم يشعروا بالسعادة فهم لا يزالون يجرون وراء تحقيق ما حققه هؤلاء الناس!!، فالذي حقق وسائل السعادة المادية من مال وطعام وشراب وملذات يكتشف بعد أن حققها أنها لا تحقق السعادة وأنه كان مغرورا، وأما الذي لم يحقق هذه الوسائل فهو مغرور يظن أن فيها تحقيق السعادة ويزين له الشيطان ذلك: (( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ) [15] .

ـ رغم أن الكثير من الناس على اقتناع نظري تام بأن المال لا يحقق السعادة، ورغم علمهم بأن بعض الناس الذين جمعوا من المال ومتع الدنيا الكثير لم يجدوا السعادة في ذلك رغم أن كل أسباب السعادة المادية عنده، فرغم ذلك لا يزال الكثير من الناس يبحثون عن السعادة في المال كأنهم غير مقتنعين بذلك، فقول أحدهم إن المال لا يحقق السعادة ينشأ عن اقتناع كاذب بذلك، فالإحساس بضآلة قيمة المال يتمثل في عدم انشغال البال بتمني المال، ولو جاء المال فلا يتردد الإنسان في إنفاقه في وجوه الخير، وأنت الآن تستطيع أن تسأل نفسك بصراحة هل تتمنى بشدة وتحلم أن تعثر على كنز؟، وإذا عثرت على كنز هل ستتردد في إنفاقه للمحتاجين أم ستنفقه كله على نفسك في التوسع في أمور الدنيا؟، إن الرسول (ص) لا يحب أن يكون عنده من الأموال ولو كان مثل جبل أحد، ولو كان عنده ذلك فلا يأتي عليه ثلاثة أيام حتى يكون قد أنفقه كله في سبيل الله ففي الحديث: (( يا أبا ذر ما أحب أن لي أحدا ذهبا أمسى ثالثة وعندي منه دينار إلا دينارا أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا يا أبا ذر الأكثرون هم الأقلون إلا من قال هكذا وهكذا ) ) [16] ، وفي حديث آخر: (( ما يسرني أن لي أحدا ذهبا يأتي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينارا أرصده لدين علي ) ) [17] ، فالذي يشعر فعلا بضآلة قيمة المال فيسهل عليه إنفاقه للمحتاجين، فما زاد عن حاجته الضرورية أنفقه لغيره، ففي الحديث: (( من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، قال فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل ) ) [18]

ـ ويظل الإنسان ينتظر أن يحصل على السعادة من تحصيل المال أو من أن يكون له زوجة أو من أن يكون عنده أولاد أو من تدبير أمورهم الدنيوية على أحسن ما يكون أو من شهوات الطعام والشراب أو من شهوات النساء أو من شهوات المناصب والمظاهر أو من البعد عن متاعب الدنيا وآلامها أو من النجاح في الحياة أو من التغلب على مشاغل الحياة اليومية، أو من البقاء على صحته أو مظهره كأحسن ما يكون، فيظل ينتظر أن يجني السعادة من هذه الأمور، ويظل كذلك حتى يموت ولم يجني شيئا من هذه السعادة، فالله بين أن السعادة في الدنيا مجرد غرور ومتاع قليل: (( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ) [19] ، (( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) ) [20] ، ورغم الاقتناع التام بأن السعادة في رضا الرحمن وفي الجنة وفي لذة النظر إلى وجه الله الكريم إلا أنه عند البعض هو اقتناع نظري فقط، أما المؤمن فسعادته في أن يصل إلى رضا الرحمن ويجتنب غضبه، وسعادته في أن يصل إلى لذة النظر إلى وجه الله الكريم، وسعادته في أن يصل إلى شهوات النساء الحقيقية التي هي اللذة

(1) تحقيق الألباني: (حسن) انظر حديث رقم: 6042 في صحيح الجامع.

(2) تحقيق الألباني (حسن) : (صحيح الجامع برقم 2195)

(3) حديث صحيح: (صحيح الترغيب والترهيب، ج: 2، برقم 2151)

(4) تحقيق الألباني صحيح: (صحيح الجامع برقم: 5674)

(5) تحقيق الألباني: (صحيح) : (صحيح الجامع برقم 6624)

(6) التخريج: حسن صحيح (صحيح الترغيب والترهيب ج: 2، برقم 1716)

(7) تحقيق الألباني (صحيح) : (صحيح الجامع برقم 2250)

(8) تحقيق الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 4345 في صحيح الجامع.

(9) تحقيق الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 4580 في صحيح الجامع.

(10) قال الشيخ الألباني: صحيح: (الأدب المفرد ج: 1، ص: 105، برقم: 276)

(11) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع، برقم 7816)

(12) حديث صحيح: (السلسلة الصحيحة ج: 7، برقم 3350)

(13) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3169)

(14) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب ج: 2، برقم 1707)

(15) طه: 120

(16) تحقيق الألباني (صحيح) [صحيح الجامع برقم 7826)

(17) تحقيق الألباني (صحيح) [صحيح الجامع برقم 5817)

(18) حديث صحيح: (مشكاة المصابيح ج: 2، برقم: 3898)

(19) الحديد: من الآية 20

(20) فاطر: من الآية 5

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت