حصير قد أثر في جنبه فقال يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا فقال ما لي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها )) [1] ، فالتعامل مع أمور الدنيا والتعامل مع الناس فيما يخص أمور الدنيا يكون كمن يتعامل مع غرباء تقابل معهم في سفر فإن علاقته بهم مؤقتة حتى لو كانوا أبناءه وأهله فإن أهله الحقيقيين في الجنة، ففي تفسير اللباب: (( {وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ} في الجنة من الحُورِ العينِ، والآدميَّات والذريَّات إذا كانوا مؤمنين ) ) [2] ، أما التركيز والإحساس بالقيمة يكون في إيمانك وفي عملك الصالح فهذا فقط الذي ينفعك، فالمؤمن لا يبالي أقبلت الدنيا أم أدبرت: (( لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) ) [3] .
ـ ومن الاختبار أن الله جعل في الناس الغني والفقير، والمعافى والمبتلى، وصاحب الجاه والخادم، وذلك من أجل الاختبار، ففي تفسير القرطبي: (( قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} أي إن الدنيا دار بلاء وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الصابر فتنة للغني، ومعنى هذا أن كل واحد مختبر بصاحبه؛ فالغني ممتحن بالفقير، عليه أن يواسيه ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغني، عليه ألا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق؛ كما قال الضحاك في معنى {أَتَصْبِرُونَ} : أي على الحق، وأصحاب البلايا يقولون: لم لم نعاف؟ والأعمى يقول: لم لم أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره، وكذلك العلماء وحكام العدل، ألا ترى إلى قولهم {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] ، فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى، ويحقر المعافى المبتلى. والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه، هذا عن البطر، وذاك عن الضجر، {أَتَصْبِرُونَ} محذوف الجواب، يعني أم لا تصبرون ) ) [4] .
ـ الشعور بخطورة الحسنات والسيئات:
ـ لو قال لك إنسان تعالى لصلاة الفجر مثلا وخذ عشرة جنيهات فسوف تأتي فورا، أما إذا قال تعالى وخذ حسنات فلعلك تتكاسل، ذلك لأن قيمة المادة عندك هي أكبر من قيمة الحسنات لضعف شعورك بالآخرة واحتياجك إلى الحسنات، أو لغياب شعورك بالآخرة، ولضعف شعورك بأن الدنيا وما بها فانية، فالحسنة الواحدة لا يعادلها أموال الدنيا كلها، فهل في شعورك أن الحسنة أفضل من أن تمتلك أموال الدنيا كلها؟، فسوف تتلون وتقول الأموال أستخدمها للطاعة، هل هذا فعلا؟.
ـ النية الصالحة قسمين هما:
القسم الأول: نية غير مرتبطة بالثواب والعقاب، وهي نية ناشئة من المشاعر الغير مرتبطة بالثواب والعقاب وهي خوف المهابة والحب والخضوع من خوف المهابة والخضوع حبا (أنظر الفصل الخامس) ، وهي بدورها ناشئة من اليقين الحقيقي بوجود الخالق أي اليقين الحقيقي بصفات القدرة والهيمنة والعظمة واليقين الحقيقي بصفات الضعف والنقص للإنسان وهي:
1 ـ نية الخوف من مهابة الله تعالى، فيقوم الإنسان بالعمل خوفا من مهابته لأن العظيم والقوى مستحق للطاعة من الضعيف تعظيما له، وفي تفسير ابن كثير: (( قال بِشْر بن الحارث الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه ) ) [5] ، فإذا ذكر الإنسان عظمة الله ندم، كيف أعصي ربي وهو الذي خلقني؟ كما لو عصى الإنسان أباه فإنه يندم.
2 ـ نية حب الله تعالى: فهو يعمل العمل من حبه لله، فالمحب يطيع محبوبه حبا له: (( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) [6] .
3 ـ نية الخضوع لله تعالى خوفا من مهابته وحبا له، فيقوم الإنسان بالعمل خضوعا لله، مثل العبد أو الخادم الذي يعمل عند سيده فيطيعه لأنه من كبار السادة ومن علية القوم تعظيما له فهو مستحق للطاعة، ويطيعه حبا له فيرى في ذلك شرف له فيشعر بالسعادة وهو يقوم بطاعته.
ـ القسم الثاني: نية مرتبطة بالثواب والعقاب، وهي نية ناشئة من المشاعر المرتبطة بالثواب والعقاب، وهي الخوف من عقاب الله والرجاء في ثواب الله تعالى (الهدف) :
(1) التخريج: صحيح (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3283)
(2) تفسير اللباب لابن عادل - (ج 16 / ص 277)
(3) الحديد: من الآية 23
(4) تفسير القرطبي: (ج 13 / ص 18)
(5) تفسير ابن كثير - (ج 2 / ص 185)
(6) آل عمران:31