فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 166

الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ )) [1] ، (( قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) ) [2] ، وهؤلاء عند احتضارهم أو عند الشدائد تجد عندهم رعب شديد من الموت، فهو لا يريد أن يموت، وربما كان سبب موتهم هو رعبهم من الموت، في حين تجد الصالحين عند احتضارهم يتقبلون أمر الموت وتجد ذلك في حديثهم.

ـ فالموت عند البعض هو الطامة الكبرى وهو نهاية الحياة، أما المؤمن فالموت عنده هو بداية الحياة الحقيقية وهو مجرد مرحلة ينتقل بها إلى الدار الآخرة، وهو مجرد ألم مؤقت عليه أن يتحمله ثم بعده يحيا مرة أخرى، وذلك لأن الآخرة هي حقيقة واقعة في ذهن المسلم وفي شعوره، أما عند البعض فهي مجرد قناعات ومعلومات نظرية لا يحمل لها هما ولا ينشغل بها باله.

ـ فمعني اختبار الشهوات أن ينتصر الإنسان على شهوات نفسه فيكون هو الذي يقودها وليست هي التي تقوده، وأول هذه الشهوات شهوة حب المال: (( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) ) [3] ، فالله خلق الإنسان وجعل فيه حب للمال وحب للدنيا وكراهية لفقد المال أو الدنيا ثم طالبه بأن ينفق مما يحب فيسيطر على شهوة حب المال والدنيا ففي تفسير البغوي: (( {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} أي: إذا أصابه الفقر لم يصبر، وإذا أصاب المال لم ينفق، قال ابن كيسان: خلق الله الإنسان يحب ما يسره ويهرب مما يكره، ثم تعبده بإنفاق ما يحب والصبر على ما يكره ) ) [4] ، وفي تفسير الطبري: (( وقوله:(وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) ، يقول تعالى ذكره: وإن الإنسان لحب المال لشديد )) [5] ، وفي نفس الوقت بين الله أن الإنسان لن يدخل الجنة حتى ينتصر على حبه للمال ففي تفسير الطبري: (( القول في تأويل قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92) } ، قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لن تدركوا أيها المؤمنون، البرَّ وهو"البر"من الله الذي يطلبونه منه بطاعتهم إياه وعبادتهم له ويرجونه منه، وذلك تفضّله عليهم بإدخالهم جنته، وصرف عذابه عنهم، ولذلك قال كثير من أهل التأويل"البر"الجنة، لأن بر الربّ بعبده في الآخرة، إكرامه إياه بإدخاله الجنة .... قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: لن تنالوا أيها المؤمنون جنة ربكم"حتى تنفقوا مما تحبون"، يقول: حتى تتصدقوا مما تحبون وتهوَوْن أن يكون لكم من نفيس أموالكم )) [6] ، فالنجاح في اختبار فتنة المال يكون بالتصدق: (( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى )) [7] ، فالذي يستطيع أن يتقي شح نفسه فقد نجح في الاختبار لأن شح النفس يبرهن على تعلق المشاعر بالدنيا وحظوظها وعبادة الهوى: (( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) [8] ، وفي الحديث: (( ولا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل مسلم ) ) [9] ، وفي حديث آخر: (( خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق ) ) [10] ، وقد يبتلى الإنسان بأن يكون أمامه مال كثير حرام لا يعاقب عليه القانون أو في مأمن كامل ولا يعلم به أحد، خاصة إذا كان في حاجة شديدة للمال فإذا لم يأخذه فإنه بذلك يبرهن على أنه لا يعبد المال والهوى.

ـ وليس المطلوب أن يمتنع الإنسان عن الزواج والطعام والشراب والحصول على المال لأنه لن يستطيع، ولكن المطلوب معالجة هذه الشهوات حتى تهدأ والسيطرة عليها وليس مواجهتها، بمعنى أن الزواج مثلا يقلل من مسألة الشهوة، فكلما رأى الإنسان في نفسه شهوة أتى أهله فأطفأها، ثم تعود شهوته ثم يأتي أهله فيطفأها وهكذا، وكلما جاع سد جوعته بلقمة وهكذا، والمطلوب عدم الخضوع والاستسلام لهذه الشهوات من شهوات المال والنساء والمظاهر والطعام والشراب .. الخ، أي تكون المشاعر متجهة إلى الله والآخرة، وليس إلى الدنيا، وذلك بالإضافة إلى الأوامر والنواهي والتي هي دليل وشاهد على أن المشاعر متوجهة إلى الله وليس إلى الشهوات: (( فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فإن الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فإن الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى ) ) [11] .

ـ والإسلام يضع الصورة الصحيحة للتعامل مع المال والشهوات والطعام والشراب وهو أن يتعامل الإنسان معها مثلما يتعامل معها عابر السبيل فإنه يأخذ منها كيفما اتفق فلا تكون همه وقضيته ففي الحديث: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) ) [12] ، وفي حديث آخر: (( عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على

(1) البقرة: 96

(2) الأحزاب: 16

(3) آل عمران: من الآية 92

(4) تفسير البغوي - (ج 8 / ص 223)

(5) تفسير الطبري - (ج 24 / ص 567)

(6) تفسير الطبري - (ج 6 / ص 587)

(7) الزمر: 49

(8) الليل: 5 - 10

(9) قال الشيخ الألباني (صحيح) : (سنن النسائي ج: 6، ص: 14، رقم 3114)

(10) حديث صحيح: (صحيح الترغيب والترهيب ج: 2، برقم 2608)

(11) النازعات: 37 ـ 40

(12) السلسلة الصحيحة (1157)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت