فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 166

ـ جعل الله أعداء للإنسان من الشيطان والنفس والهوى ومن شياطين الإنس، وهؤلاء يصدون الإنسان عن الحق، وقد جعل الله هؤلاء الأعداء كنوع من الاختبار ليرى الله هل ستستجيب لهم أم ستنجح في الاختبار.

ـ فهناك صراع مع النفس والشيطان والدنيا وشياطين الإنس والابتلاءات بالخير والشر، فإما أن يغلبوك أو تغلبهم، فالدنيا لها بريق يصعب التغلب عليه، والشيطان يوسوس والنفس توسوس وشياطين الإنس توسوس وتسد عليك الطريق.

ـ ومنذ أنك وجدت في هذه الحياة فقد دخلت في هذا الصراع وهذه المنافسة حتما سواء رضيت أم لم ترضى، سواء شعرت بهذه المنافسة أم لم تشعر، فأنت واقع في هذه المنافسة والعد التنازلي لوقت حياتك يسير وحساب النقاط التي لك والتي عليك مستمر بمنتهى الدقة ويتم تسجيله.

ـ وقد جعل الله طريق المعاصي والبعد عن الله سهل وطريق الطاعات والقرب من الله صعب وذلك كنوع من الاختبار ليرى الله هل سينجح الإنسان أم سيفشل، ففي الحديث: (( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) ) [1] .

ـ وبدون هذه الاختبارات واجتياز هذه العقبات لا يمكن للإنسان أن يدخل الجنة، فالانتصار على هذه الشهوات والابتلاءات وهؤلاء الأعداء يدل على الإيمان الحقيقي في القلب وليس مجرد القول والتصديق النظري، وهذا الانتصار هو ثمن الجنة وهو ثمن صعب: (( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) )) [2] ، (( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) ) [3] ، والاختبار يكون على مدى عمر الإنسان كله وعلى مدى مجموع الاختبارات والأعمال التي يعملها الإنسان في حياته ليبرهن على حقيقة ما في قلبه.

ـ إذن الحكمة من خلق الدنيا ونزول الإنسان على كوكب الأرض هو أن الله جعل الدنيا عبارة عن شهوات، فالله وضع لك شهوات ذات بريق خادع وفتنة زائفة: (( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) ) [4] ، (( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ) ) [5] ، (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ) [6] ، وخلق الله الإنسان فيه ميل لهذه الشهوات وحب لها: (( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنعام وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) ) [7] ، فهذه الشهوات هي في حقيقتها ضئيلة لا قيمة لها ولكنها مزينة فتبدوا أكبر من حجمها بكثير، والاختبار المطلوب من الإنسان هو عدم ارتباط مشاعره بهذه الشهوات، (( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) ) [8] ، فهذا هو اختبار الشهوات، فهناك من ينجح وهناك من يرسب، وهذه الشهوات مثل الشجرة التي نهى الله آدم من الأكل منها، فالله خلقها لمجرد الاختبار، (( وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) ) [9] فالشيطان زين له أن هذه الشجرة فيها السعادة والخلود: (( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) ) [10] ، فالله جعل الدنيا حلوة خضرة لكي يختبر الناس هل سيقعوا في فتنتها أم لا، ففي الحديث: (( إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ ) ) [11] ، فاحذر أن تغرك الدنيا وتفتنك: (( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) ) [12] ، وفي الحديث: (( احذروا الدنيا فإنها خضرة حلوة ) ) [13] .

ـ ومن الاختبار أن جعل الله في الإنسان خوف فطري من الموت، وفي نفس الوقت طالبه ألا يزيد ذلك الخوف إلى درجة الرعب فلا يفر من الموت، فالكفار فقط هم الذين يفرون من الموت من رعبهم: (( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ) ) [14] ، (( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ

(1) تحقيق الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 3147 في صحيح الجامع.

(2) البقرة: 214

(3) العنكبوت: 2، 3

(4) الكهف:7

(5) الكهف: 46

(6) الأنفال: 28

(7) آل عمران: 14

(8) الكهف: 7

(9) البقرة: من الآية 35

(10) طه: 120

(11) رواه مسلم (7124)

(12) لقمان: من الآية 33

(13) تحقيق الألبانب: (صحيح) : (صحيح الجامع برقم: 192)

(14) الجمعة: من الآية 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت