فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 166

ـ إن الذي يوقن أن له خالقا يقدر عليه ويسيطر عليه ويرزقه ويملكه، ثم لا يشعر بمدى قدرة الخالق عليه ويشعر بأنه خاضع وواقع تحت سيطرة وهيمنة الخالق عليه، ويشعر بأنه ضعيف لا يقدر على شيء ولا يملك شيئا ولا يملك من أمر نفسه شيء إذ أن القدرة كلها للخالق والملك كله للخالق، وأنه بغير الخالق لا يستطيع أن يعيش أو يتنفس لأن الخالق هو الذي يرزقه ويمده بما يحتاجه، فيشعر بالخضوع له وبالحب له، كل هذا يشعر به الإنسان لمجرد أن يوقن يقينا حقيقيا بأن له خالقا، فإذا لم يتحقق هذا الإحساس بأهمية وخطورة معنى أن له خالقا فقد أفرغ الكلمة من معناها الحقيقي، أي أصبحت كلمة (خالق) مفرغة من الأهمية والخطورة كأنها لا نفع فيها ولا ضرر ولا لذة ولا ألم، فهو في حقيقة الأمر لا يعرف شيئا إسمه (الخالق) ولا يؤمن به إيمانا حقيقيا حيث أصبحت كلمة مفرغة من الأهمية والتأثير.

ـ فالموافقة على الإسلام يعني قبول الاستسلام والذل طوال الحياة للخالق، فالإسلام معناه الاستسلام، ومعنى أن الإنسان مسلما هو أنه يقبل أن يعيش حياته عبدا كالخادم عند سيده، فيعترف بأن كل صفات العظمة والقوة والكمال والمحامد هي لله فقط وكل صفات الضعف والنقص والعجز والذل هي للإنسان ولكل شيء غير الله تعالى، وهذا من معاني"لا إله إلا الله".

ـ تحدث الرسول (ص) عن عظمة الله فكان من شدة تأثره أنه كان يتمايل فيتحرك المنبر حتى كاد يسقط ففي الحديث عن عبد الله بن عمر قال: (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول يأخذ الجبار سماواته وأرضيه بيده وقبض يده فجعل يقبضها ويبسطها ثم يقول أنا الجبار أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون قال ويتمايل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن شماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) [1] ، وعن ابن أبي مليكة قال جلسنا إلى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في الحجر فقال: (( ابكوا فإن لم تجدوا بكاء فتباكوا لو تعلموا العلم لصلى أحدكم حتى ينكسر ظهره ولبكى حتى ينقطع صوته ) ) [2] ، إن عظمة الله يقشعر منها جلود المؤمنين: (( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) ) [3] .

ـ فلابد أن تشعر بمدى الفرق الهائل بين صفات الله وصفات البشر مثل القدرة والقوة والعلم ... الخ، فصفات القدرة والقوة والعزة والعظمة والكبرياء والكمال للخالق تعني صفات الضعف والنقص والعجز والذل والخضوع للمخلوق فعندئذ تشعر بمدى قدرة الله ومدى ضعفك فتشعر بمدى قدرة الله عليك، إذن لابد من الشعور بضآلة وضعف الإنسان والشعور بعظمة الله وقدرته عليه، فعندئذ يشعر الإنسان بالخضوع، كما يشعر بالحب لله لاتصافه بصفات القوة والعظمة والجمال والكمال، فإذا لم يشعر الإنسان بضعفه ونقصه وأنه لا يستطيع أن يقوم بأمر نفسه ويحتاج إلى من يقوم بأمره فهو لا يشعر بأن له خالقا، فالمعنى الحقيقي لكلمة (خالق) أي الذي له القدرة والغلبة والقوة والقهر عليك والذي يمدك بكل ما تحتاجه، والذي لا تستطيع أن تعيش بغيره، ومعنى كلمة (مخلوق) أي الضعيف الخاضع تحت سيطرة وهيمنة الخالق، وهذه المعاني ينبغي أن تكون في شعور الإنسان وليس كمعرفة نظرية.

ـ لا يتحقق الإيمان حتى يكون الإحساس بقدر الله أكبر من الإحساس بقدر الدنيا، وحتى يكون الإحساس بقيمة الآخرة والنفع فيها أكبر من الإحساس بقيمة الدنيا والنفع فيها، فالله في الاقتناع النظري أكبر وأعظم من كل شيء، وكل إنسان يفهم ذلك جيدا، لكن في المشاعر فقيمة الدنيا والنفع فيها أكبر، كذلك لا يتحقق الإيمان عند الإنسان حتى يكون الله والآخرة أكبر إطمئنانه وطموحاته وحتى يكون الله والآخرة لهما وجود في همومه، فما بالك إذا لم يكن الإحساس بقدر الله موجود أصلا ولم يكن الله والآخرة ضمن إطمئنانه أصلا.

ـ فلابد من الشعور بالمقارنة بين الخالق والمخلوق، أي الشعور بأن هناك أحدا لا نراه وأنه ليس أحدا مثل البشر ولكنه أعظم وأكبر في قدراته عن قدرات البشر وأنه أعظم من أي قدرات يعرفها البشر، فإن الخالق ذو قدر عظيم وقدرات وصفات أعظم من كل قدرات وصفات البشر أي أنه أكبر من الإنسان في قوته وإمكانياته وقدراته بحيث أنه استطاع أن يصنع كل هذا الكون فهو خارق للأسباب.

ـ إن الذي خلق البشر وخلق فيهم الحياة وجعل لهم سمع وبصرا وقوة ... الخ، فهو أولى بهذه الصفات، (( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) ) [4] ، فهي عند البشر صفات ضعيفة ناقصة، والله له صفات الكمال، وهذا يعني الخضوع لمن له الصفات الأعلى والأعظم فهو الأعلى وهو العظيم في صفاته والله أكبر من كل شيء، وهذا يعني الإحتياج إليه وحب الانتساب إليه.

ـ فلابد من الشعور بأن لك خالقا هو الذي صنعك أنت وكل ما حولك، وأنك وكل ما تملك عبارة عن جزء من ممتلكاته وكل أمرك بيده وأنت في يده ويستطيع أن يفعل بك ما يشاء، وأنك لست حرا تدير نفسك بنفسك وأن عليك الاستسلام والخضوع،

(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجه ج: 2، ص: 1429، برقم 4275)

(2) التخريج: صحيح موقوف (أي أن هذا هو قول عبد الله بن عمرو) (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3328) .

(3) الزمر: 23

(4) فصلت: من الآية 15

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت