كمال، فسبحان الله عما يشركون في إثبات صفة المتكبرية للخالق )) [1] ، وفي تفسير الطبري: (( ويعني بقوله:"القاهر"المذلِّل المستعبد خلقه ) ) [2] .
ـ لا يعرف النعمة إلا من فقدها:
ـ إذا لم يشعر الإنسان بفوائد وأهمية النعم له، فهو لا يعرف شيء اسمه (نعمة) أصلا، وبالتالي لن يشعر بحب الخالق والخضوع لإنعامه.
ـ وأيضا إذا لم يشعر بمدى احتياجه إلى هذه النعم وأن حياته لا تقوم بغيرها، فلا تهمه النعم فهو مستغني عنها، وبالتالي لن يشعر بحب الخالق والخضوع لإنعامه.
ـ والنعم لها فوائد عظيمة جدا ولكن لا يشعر بها إلا من فقدها، فمثلا الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى، وهكذا، فالإنسان لا يشعر بقيمة قطرة المياه إلا إذا حرم منها، فالأصل أن الإنسان محروم من كل النعم ثم أعطاه الله هذه النعم، وإذا حرم الإنسان من كل النعم فهو ميت أو عدم لأن كل شيء هو نعم للإنسان: (( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) [3] ، (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) ) [4] ، فالأصل أنك أعمى ثم أبصرت، فانظر كيف يشعر إنسان أعمى إذا أبصر، إنه عندئذ فقط يشعر بنعمة البصر، ويشعر بحب عميق جدا لمن أنعم عليه بأن جعله يبصر، وهكذا.
ـ فيتحقق الشعور بأن الله هو المالك وأن له صفات الإنعام بأن يشعر الإنسان بعظمة نعم الله عليه، وبمدى احتياجه إلى هذه النعم وأنه لا تقوم حياته بغيرها وأنه غير مستحق لأي منها، وأنه لم يحصل عليها لا من كسب ولا كد ولا تعب فهذه مجرد أسباب وإنما هذه النعم هي محض تكرم وإنعام من الله العظيم إلى العبد الفقير المعدوم الذي لا يملك حتى نفسه.
ـ ومن نعم الله أن سخر له كل شيء كالشمس والقمر والهواء، وسخر الأشياء فينشأ عن ذلك التقدم العلمي والتكنولوجي لراحة الإنسان.
ـ أنت إذا طلب منك أن تبيع عينك مقابل مائة ألف جنيه فهل توافق؟ طبعا لا، وإذا طلب منك أن تبيع سمعك مقابل مائة ألف جنيه فهل توافق؟ طبعا لا، وهكذا، إذن أنت تملك مئات الآلاف من الجنيهات، ولا يعرف قيمة النعمة إلا من فقدها، فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى.
ـ ومع ذلك هناك من يفقد النعمة ثم تعود إليه النعمة فينسى: (( فَإِذَا مَسَّ الْإنسان ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) ) [5] .
ـ قد أوضحنا أن الإنسان لا يملك شيئا وأن المالك هو الله فكل ما عند الإنسان من مال وممتلكات بل هو نفسه ملك لله، إن كل ما خلقه الله هو نعم للإنسان فإن الله سخر له ما في السموات والأرض، والنعمة هي كل ما فيه نفع أو فائدة للإنسان، وقد أوضحنا أن الإنسان ليس هو الذي يجلب ويأتي بالنعم والنفع لنفسه وإنما الذي يعطي النعم والنفع هو الله، فالله له كل صفات الإنعام فلا ينفع غيره.
ـ هناك فرق بين صفات العبد وصفات الرب، فالفرق بين كرم العبد وكرم الرب أن الله يكرم فيما يملك أما العبد فلا يملك شيئا وهكذا.
ـ لو لم يكن الله الرزاق لأتى العبد يوم القيامة وقال يا ربي انشغلت بجلب الرزق وغلاء المعيشة وأداء الحقوق عن معرفتك وعبادتك فتكون له حجة، ولكن الله هو الرزاق فلا حجة لأحد بأن يعيش حياته في جلب الرزق.
ـ نسيان نعم الله هو نسيان للمنعم والرزاق فهو نسيان لله لأن كلمة (الرب) تعني أساسا صفات الإنعام والرزق وأن الله هو الوكيل والكفيل وكلها صفات عطاء ونعم للإنسان.
ـ عندما يكون الإنسان في محنة ثم ينجو منها ينسى عطاء الله عليه، فإذا نسي هذه النعمة ونعمة أخرى وثالثة ورابعة فينسى نعم الله جميعا بكل صورها وعندئذ يكون إيمانه بأن الله هو ربنا الرزاق والوكيل والكفيل هو مجرد اقتناع نظري ولم يتحقق في المشاعر.
ـ أفضل نعم الله أنه أرسل إلى البشر رسلا تعرفهم أن هناك نارا وترشدهم إلى طريق الخلاص منها لأن الله لو عذب الناس جميعا لعذبهم وهو غير ظالم لهم لأنهم عبيده وملكه، وصاحب الشيء يفعل بما يملك ما يشاء، لكن الله من رحمته لم يرد ذلك وأرسل الرسل لتعرف الناس بطريق النجاه.
ـ فإذا لم يشعر الإنسان أنه يأخذ ما هو في أمس الحاجة إليه حيث لا تقوم حياته بغير نعم الله عليه، وأن ما يأخذه ليس حقا له وإنما محض من وتكرم، فلم يشعر بقيمة اللقمة التي يأكلها ويقنع بها ويخجل من طلب المزيد ويحب الرزاق، فهو لا يشعر عندئذ بأن الله له صفات الإنعام وإن كان على يقين نظري تام بذلك.
ـ إذا لم تكن تملك شيئا على الإطلاق من طعام أو شراب وأتاك أحد بشربة ماء فأنت حينئذ تكون ممتنا شاكرا، وهذا الماء بالنسبة لك هو نعيم ونعمة كبيرة لأنه جاءك ولم تكن تستحقه وهو ذو قيمة كبيرة واحتياج كبير لك، لذلك ففي الحديث: (( لما نزلت {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال الزبير وأي نعيم نسأل عنه وإنما هو الأسودان التمر والماء قال أما إنه سيكون ) ) [6] ، فلابد أن تشعر بأنك تعيش في نعيم مهما كان حالك من الفقر والمرض، ولذلك عندما يسألك أحد:"كيف حالك؟"، فتقول:"الحمد لله، أو تقول:"في نعمة والحمد لله"مهما كان حالك، ولكن يجب أن يقول ذلك بلسان مشاعرك أيضا، وهذا هو مفهوم الرضا القلبي."
ـ الكفر القلبي بنعمة الله:
ـ الكفر القلبي بنعمة الله معناه عدم وجود الإحساس بقدر صفات الإنعام للخالق، ففي أيسر التفاسير للجزائري: (( {ليكفروا بما آتيناهم) أي ليؤول أمرهم الى كفران ونسيان ما آتاهم الله من نعمٍ وما أنجاهم من محن )) [7] ، وقارون كفر بنعم الله وذلك بأن شعر بأن ما عنده إنما هو من كده وتعبه، ففي تفسير الشعراوي: (( لِيَكْفُرُوا بِمَآ آتَيْنَاهُمْ. . .} ، أي: مُسْتعظمين كقارون الذي قال: {إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي} [القصص: 78] ، أخذتُ هذا بَجْهدي وعملي. . ومثله مَنْ تقول له: الحمد لله الذي وفَّقك في الامتحان، فيقول: أنا كنت مُجِدًا. . ذاكرتُ وسهرتُ. . نعم أنت ذاكرتَ، وأيضًا غيرك ذاكر وجَدَّ واجتهد، ولكن أصابه مرض ليلة الامتحان فأقعده، وربما كنت مثله ) ) [8] .
ـ الإحساس بقدر صفات الإنعام يؤدي إلى حب الله تعالى:
ـ تصور لو أنك ذهبت إلى مكان ما وقيل لك أن مصاريف الإقامة والطعام والشراب والملبس علي حساب فلان، تصور فعلا أن إقامتك في هذه الدنيا مدفوعة الحساب (فأنت لا تملك أن تدفع حساب شربة ماء واحدة، ولا تستطيع أن تقيت نفسك) إذا لماذا لا تحب الله؟ ولماذا تتوكل علي غير الله كأن تعتمد علي نفسك؟، ولماذا يكون كل همك في إحضار الرزق؟.
ـ استشعار الملكية لله يؤدي إلى الإحساس بقدر صفات الإنعام، فأنت إذا أكلت أكلة أو شربت شربة فإنك تستشعر أن هذه الأكلة أو هذه الشربة هي ملك لله ليس لك فيها حق، ولم تستطع أن تأكل اللقمة أو تشرب الشربة إلا بعد أن أذن الله لك بذلك، وكذلك تستشعر أن السكن الذي تسكن فيه ليس خاص بك وملكا لك وإنما هو ملك لله ومحض تكرم من الله عليك، بل إن يدك وجسمك ليس ملكا لك وإنما هو ملك لله تعالى وكونه معك فهو محض تكرم من الله عليك (راجع الشعور بأن الله هو المالك) .
ـ نعم الله ورزقه لك، ورعاية الله لك ورحمته بك، وهو يسترك وأنت تعصيه رغم أنه يستطيع أن ينتقم منك وينسفك نسفا إذا عصيته، فإذا به يغفر لك ذنبك إذا تبت واستغفرت، ويتودد إليك ويرشدك إلى طريق السعادة، وييسر لك: (( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ) [9] ، (( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ) ) [10] ، (( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ ) ) [11] ، (( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ) [12] ، والقرآن مليء بضرب الأمثال والإيضاحات التي تذلل لك العقبات وتوضح لك الطريق، بل إن الله أخبرك بما يكون في المستقبل من أمر الآخرة حتى تكون على بصيرة، كما أرسل رسولا من البشر ليكون نموذج إرشادي تطبيقي عملي يواجه نفس ما يواجهه البشر، فكل هذا رحمة من الله تعالى، كما أن الذي خلق كل هذا الكم من الجمال في الخلق والمخلوقات وبالتالي عنده من الجمال ما هو أكبر من مجموع ما أعطى من الجمال للخلق والمخلوقات منذ خلق الكون والبشر والمخلوقات إلى يوم القيامة، وبالتالي فلذة النظر إلى وجه الله أعظم من مجموع كل جمال الدنيا، وبالمثل كل الصفات المحمودة من الكرم والرحمة وغيرها فالله خلقها وهي عند الله أعظم فلله الكمال في الجمال والصفات، كما أن الله يعطي للبشر حقا عليه أن يدخلهم جنات بها نعيم بلا حدود إذا لم يشركوا به ويعطيهم لذة الإيمان في الدنيا التي هي أعظم من كل لذات الدنيا، رغم أنه
(1) تفسير الرازي - (ج 15 / ص 315)
(2) تفسير الطبري - (ج 11 / ص 288)
(3) البقرة: 28
(4) البقرة: 243
(5) الزمر: 49
(6) قال الشيخ الألباني: حسن (سنن ابن ماجة ج: 2، ص: 1392، برقم: 4158)
(7) أيسر التفاسير للجزائري: (ج 2: ص 303)
(8) تفسير الشعراوي: (ج 1 / ص 4937)
(9) البقرة: من الآية 185
(10) النساء: 27
(11) النساء: من الآية 28
(12) المائدة: من الآية 6