فهذا يعني عدم الاكتراث وعدم السخط والغضب علي مصائب الدنيا، والذي يوقن يقينا حقيقيا بالموت فإنه يعيش حياته يعبد الذي يميته: (( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ) ) [1] ، فهناك من وضع للإنسان شيء اسمه الشيخوخة لكي يعلم الإنسان أنه لا يمكن أن يخلد في الدنيا وأن هناك من قدًّرَ عليه الموت: (( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ) ) [2] ، ومهما حاول الإنسان التغافل والهروب عن الحقيقة والمصير القادم، فإنها أيام قصيرة وغدا اللقاء رضي أم لم يرضى، شعر بذلك أم لم يشعر، وقد سبقه الكثير إلى هناك ولكن من عنده مشاعر يحس بها؟ (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ) ) [3] ، وإنه غدا تنتهي الحياة فماذا أنت صانع؟.
ـ والموت يسمى هاذم اللذات لأن من يشعر بأنه سيموت يوما ما فإن حياته وما فيها من متع ولذات سوف تتكدر، وفي الحديث: (( أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت ) ) [4] ، وفي حديث آخر: (( أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أي المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا، قال فأي المؤمنين أكيس قال أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس ) ) [5] ، فكيف يفرح الإنسان بشيء هو مفارقه: (( ومهما طاب قلبه بشيء من الدنيا ينبغي أن يتذكر في الحال أنه لابد له من مفارقته، نظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى فقال والله لولا الموت لكنت بك مسرورا ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى بكاء شديدا حتى ارتفع صوته ) ) [6] ، وفي الحديث: (( استحيوا من الله حق الحياء قال قلنا يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله قال ليس ذاك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ) ) [7] ، وفي الحديث: (( اذكر الموت في صلاتك فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحري أن يحسن صلاته وصل صلاة رجل لا يظن أنه يصلي صلاة غيرها وإياك وكل أمر يعتذر منه ) ) [8] ، وفي الحديث: (( اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك واحسب نفسك مع الموتى واتق دعوة المظلوم فإنها مستجابة ) ) [9] ، وفي رواية أخرى: (( اعبد الله كأنك تراه وعد نفسك في الموتى ) ) [10] ، وفي الحديث: (( ما حق امرئ مسلم تمر عليه ثلاث ليال إلا وعنده وصيته قال عبد الله بن عمر ما مرت علي منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي ) ) [11] ، ولذلك يقول تعالى: (( إنك ميت وإنهم ميتون ) ) [12] ولم يقل إنك ستموت وإنهم سيموتون حتى يعد الإنسان نفسه من الموتى.
ـ ورد عن حذيفة بن اليمان كان يقول: (( ما من صباح ولا مساء إلا ومناد ينادي: يا أيها الناس الرحيل الرحيل، وإن تصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم قال: في الموت أو يتأخر قال: في الموت ) ) [13] .
ـ الإنسان إذا نظر إلى ما هو الذي يريده من الدنيا في مستقبله، هل يأكل ويشرب ويحصل على المال والدنيا والشهوات والمظاهر؟ ولكن ثم ماذا بعد؟ ماذا بعد أن يحقق ذلك كله؟، إنه يترك كل ذلك ويموت، فإذا تفكر الإنسان في ذلك فإنه يصفو قلبه ويتحرر من عبادة الهوى وتزول الغشاوة من على قلبه فيفيق وينتبه ويتيقظ لحقيقة ما ينتظره في الآخرة، إذن الذي يوقن يقينا حقيقيا بالموت والآخرة فإنه لا يلهث وراء الدنيا ويعبدها، وفي الحديث: (( ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ) ) [14] .
ـ فالموت عند المؤمن هو اليوم المنتظر، فهو يعيش عمره ينتظر هذا اليوم الذي بعده السعادة الأبدية، أما المنافق فيتجاهل ذلك اليوم فلا يريد أن يلقى الله: (( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) [15] ، (( بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ) ) [16] ، (( إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا ) ) [17] .
(1) يونس: من الآية 104
(2) يّس: 68
(3) قّ: 37
(4) تحقيق الألباني (صحيح) : (صحيح الجامع: برقم 1210)
(5) حديث حسن: (صحيح الترغيب والترهيب، ج: 3، برقم: 3335)
(6) إحياء علوم الدين ومعه تخريج الحافظ العراقي - (ج 7 / ص 141)
(7) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 4، ص: 637، برقم 2458)
(8) تحقيق الألباني: حسن (صحيح الجامع برقم: 849)
(9) تحقيق الألباني: حسن (صحيح الجامع برقم: 1037)
(10) تحقيق الألباني: حسن (صحيح الجامع برقم: 1038)
(11) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن النسائي ج: 6، ص: 239، برقم: 3618)
(12) الزمر: 30
(13) الزهد - لابن أبي الدنيا: (ج 1 / ص 54)
(14) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 4، ص: 637، برقم 2458)
(15) يونس: 7، 8
(16) الفرقان: من الآية 40
(17) النبأ: 27