فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 166

ـ فنسيان الموت وتجاهله مثل نسيان الآخرة ونسيان الله، فإن جميع الناس يؤمنون بالموت ويوقنون به تماما لكن لا يتأثرون بالموت مطلقا كأنه شيء غير مؤثر وكأنه غير موجود، كذلك الإيمان واليقين بالله وبالآخرة موجود لكنه يقين نظري بلا أثر في النفس أو الهم أو المشاعر، بل إن البعض قد يعجب: وهل معرفة الإنسان بالله والآخرة أمور مؤثرة؟!! وكأن عظمة الله الهائلة وقدرته الفائقة وعلمه الهائل وأهوال القيامة ونعيم الجنة كل ذلك مسألة معلومات يقتنع بها الإنسان فحسب!!.

ـ بعض الناس اهتدوا بسبب أنهم رأوا أحدا مات فتأثرت مشاعرهم وأيقنوا بالموت وبأنهم سيموتون، خاصة لو كان صديقا حميما وكان شابا صغيرا.

ـ كل الناس يحبون المال ويكرهون الموت وهذا أمر مذموم، ولكن تزيد محبة المال وتزيد كراهية الموت حتى تصبح ذنبا عظيما، وهو ما يقع فيه الناس اليوم ففي الحديث: (( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت ) ) [1] ، وحب الدنيا قد يكبر ليصبح عبادة للدنيا، وكراهية الموت قد تكبر لتصبح كفرا بالموت.

ـ فالإنسان يعيش ولا يريد أن يموت كأنه سيخلد في الدنيا ويحب المال حبا كبيرا ففي الحديث: (( يهرم بن آدم ويشب منه اثنتان الحرص على العمر والحرص على المال ) ) [2] ، وفي تفسير الخازن: (( {وتحبون المال حبًا جمًّا} أي كثيرًا والمعنى يحبون جمع المال، ويولعون به، وبحبه، {كلا} أي لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا، من الحرص على جمع المال وحبه ) ) [3] ، فهذه الآيات والأحاديث تبين أن هناك مرضا خطيرا متفشي بين الناس وهو الحرص على العمر وحب الدنيا حبا جما وكراهية الموت إلى درجة الرعب، وليست تبين ذلك على أنه طبيعة فطرية في الإنسان معذور بها، (( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ) ) [4] ، (( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) ) [5] ، (( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) ) [6] .

ـ من الآثار التي تدل على عدم وجود الإيمان بالموت، هو أن البعض يعيش حياته كأنه لن يموت، فيهتم بمسكنه الذي يسكن فيه اهتمام من هو خالد فيه كأنه دار إقامته غير مبالي أن داره ليست هنا، ويهتم بصحته اهتمام من هو خالد كأنه لن يموت، ويهتم بممتلكاته اهتمام من هو خالد كأنه يأخذها معه عند رحيله من الدنيا، ويهتم بأمور الدنيا اهتمام من هو خالد فيها كأن الدنيا هي دار إقامته، ولذلك ففي تفسير الرازي: (( {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} المصانع مآخذ الماء، وقيل القصور المشيدة والحصون {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} ترجون الخلد في الدنيا أو يشبه حالكم حال من يخلد، وفي مصحف أبي:(كأنكم) ، وقرأ (تخلدون) بضم التاء مخففًا ومشددًا، واعلم أن الأول إنما صار مذمومًا لدلالته إما على السرف، أو على الخيلاء، والثاني: إنما صار مذمومًا لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا دار ممر لا دار مقر )) [7] ، أما الإنسان الذي يوقن يقينا حقيقيا بأنه سيموت ويلقى الله فإنه يعيش مثل الذي يعيش في غربة في بلد ما، فليست قضيته واهتمامه الأكبر أن يبحث عن الراحة والطعام والشراب، فإنه ينتظر الراحة والطعام والشراب عند العودة إلى وطنه، أما طعامه وشرابه ومكان نومه وعيشه في بلد الغربة فهو كيفما اتفق يرضي بأي شيء يؤدي الغرض، فإن الذي يري أن طعامه إنما هو في الآخرة فإنه لا يهتم كثيرا بطعام الدنيا فهو كيفما اتفق، وإنما هو يأخذ زاد المسافر، وكذلك سكن الدنيا ومتطلباتها، ففي الحديث: (( عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا فقال ما لي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها ) ) [8] ، فالرسول (ص) بذلك لم يكن يرفض التكنولوجيا والعلم الحديث والذي كان يتمثل في عهده في فراش لين بدلا من الحصير، لكن ذلك ليس الذي يشغل همه وفكره ومشاعره، وإنما الهم الأكبر الذي كان يشغل همه وفكره ومشاعره هو الآخرة، وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: (( مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا فَقَالَ: مَا هَذَا؟، فَقُلْتُ خُصٌّ لَنَا وَهَى نَحْنُ نُصْلِحُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا أُرَى الأمر إِلاَّ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ ) ) [9] ، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يقول: (( إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس وإنها أيام قلائل ) ) [10] .

(1) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن أبي داود، ج: 4، ص: 111، برقم: 4297)

(2) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي، ج: 4، ص: 570، برقم: 2339)

(3) تفسير الخازن - (ج 6 / ص 262)

(4) الجمعة: من الآية 8

(5) البقرة: 96

(6) ق: 19

(7) تفسير الرازي - (ج 11 / ص 494)

(8) حديث صحيح (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3283)

(9) رواه ابن ماجه (4299) وفي صحيح الترغيب والترهيب (3)

(10) سير أعلام النبلاء (ج: 11، ص: 215) ، وفي صفوة الصفوة (ج: 2، ص: 345)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت