فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 166

ـ فالإنسان يعيش حياته وهو يتناسى الموت ويتغافل عنه ويتجاهله كأنه لن يموت، رغم أن يعرف ذلك ويوقن به (يقينا نظريا) لكنه يتغابى ويتشاغل ويتلهى عنه.

ـ الشعور بأن الموت متوقع في أي وقت الآن:

ـ هناك فرق بين المعرفة النظرية بأن الموت يأتي بغتة في أي لحظة وبين الإحساس بذلك، فالشعور بأن الموت يأتي بغتة في أي لحظة يعني شعور مستمر بالقلق والخوف وتوقع الموت في أي لحظة، وبالتالي القلق والخوف من أنك تنتقل إلى الآخرة في أي لحظة، فالإنسان بطبيعته يحب الحياة والموت مخيف بالنسبة له، والآخرة مخيفة أكثر، ويقول أبو حامد الغزالي: (( قال الحسن رحمه الله تعالى: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذى لب فرحا .... ، وقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا ذكر الموت والوقوف بين يدي الله عز وجل، وقال كعب: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها ) ) [1] ، وأنت تسمع كل أن مات فلان ومات فلان وسوف يأتي اليوم الذي ينادى فيه باسمك!!.

ـ الإحساس بالشيخوخة والتعرض للأمراض والمحن:

ـ إن كل إنسان عنده اقتناع نظري تمام وبلا أدنى شك أنه قد يصل إلى سن الشيخوخة وتضعف قواه أو أنه قد يتعرض لأمراض أو محنة، لكن بلسان المشاعر فكأنما يقول: لن أمرض او أضعف أو أصل إلى الشيخوخة أو لا أريد أن أمرض او أضعف أو أصل إلى الشيخوخة، فهذا في لغة المشاعر هراء ولا يمكن أن يحدث أبدا! (( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) ) [2] ، إن الإنسان لو انتبه فعلا بأنه قد يتعرض للمرض والمحن لشعر بالخوف والقلق وشعر بمدي ضعف الإنسان وشعر بأن هناك قوة أعلي من الإنسان تفعل به ما تشاء، وشعر بالخضوع لهذه القوة، ولتغير حاله تماما، ولذلك من الناس من إذا وصل إلى سن الشيخوخة، أو من النساء من إذا وصلت إلى سن اليأس، أو إذا تعرض لمرض أو محنة فإنه يستنكر ذلك ولا يسلم به ويحدث له اكتئاب شديد لأنه لا يريد لنفسه أن يمرض ولا يريد أن يموت رغم أن الناس من حوله يمرضون ويموتون، فهو بمشاعره يعترض أولا على إمكانية حدوث المرض أو المحنة، وينشأ عن ذلك أنه يعترض أيضا بمشاعره على الله وأن ذلك مقدر أو بأن هذا ظلم وتعدي من الله عليه بدون وجه حق، ونفس الشعور قد يحدث له عند خروج الروح لأنه يُسلب كل شيء.

ـ خوف المهابة من الموت (الشعور بألم الفراق) :

ـ هو شعور بالخوف والإشفاق من هيبة الفراق ومن ترقب يوم الفراق حيث يسلب منه كل شيء، وهذا الشعور هو المميز لوجود اليقين الحقيقي بالموت.

ـ ألم الفراق يحدث بعد أن يفارق الإنسان ما يحبه وما يعتاد عليه، ويحدث أيضا قبل أن يفارق الإنسان ما يحبه وما يعتاد عليه إذا أيقن يقينا حقيقيا بأنه سيفارقه من هيبة ما سيحدث، خاصة إذا علم أن فراقه قد اقترب.

ـ الإنسان في الدنيا لا يزال لم يفارق أحد، لكنه يوقن بأنه حتما سيفارق الدنيا، ويوقن بأن الدنيا ما هي إلا أيام معدودة وأنه يقترب من الموت وفراق الدنيا، وفي الحديث: (( أتاني جبريل فقال يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس ) ) [3] .

ـ فإذا لم يشعر بألم الفراق، فهذا يعني أنه مطمئن بالدنيا، وأن يقينه بأنه سيموت هو فقط يقين نظري وليس حقيقي، وهذا يعني غياب الإحساس بالموت، فالمؤمن عنده استعداد نفسي لأن يترك أهله وزوجته وأولاده وأصحابه ووطنه وأعماله التي تعود عليها وماله وكل شيء، وهو يشعر أن ذلك وشيك وسوف يحدث خلال أيام قليلة هي ما بقي له من أيام الدنيا القليلة، وهذا الشعور فيه إحساس بألم الفراق.

ـ عدم الشعور بألم الفراق معناه الشعور بالرضا والاطمئنان بالأهل والمال والدنيا: (( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) [4] .

ـ الحالة النفسية للشعور بألم الفراق:

ـ هناك قدر من الحب الفطري للإنسان وارتباط بالمال والأهل والدنيا، فمفارقة ذلك أمر خطير يستدعي خوف المهابة.

(1) إحياء علوم الدين ومعه تخريج الحافظ العراقي - (ج 7 / ص 138)

(2) البقرة: 96

(3) تحقيق الألباني: (حسن) انظر حديث رقم: 73 في صحيح الجامع.

(4) يونس: 7، 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت