فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 166

ـ يقول شيخ الإسلام ابن القيم: (( فتوحيد المحبوب أن لا يتعدد محبوبه وتوحيد الحب أن لا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له فهذا الحب وإن سمي عشقا فهو غاية صلاح العبد ونعيمه وقرة عينه وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله فلا يحب إلا الله كما في الحديث الصحيح ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار فأخبر أن العبد لا يجد حلاوة الإيمان إلا بأن يكون الله أحب إليه مما سواه ومحبة رسوله هي من محبته ومحبة المرء إن كانت لله فهي من محبة الله وإن كانت لغير الله فهي منقصة لمحبة الله مضعفة لها وتصدق هذه المحبة بأن يكون كراهته لأبغض الأشياء إلى محبوبه وهو الكفر بمنزلة كراهته لإلقائه في النار أو أشد ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة فإن الإنسان لا يقدم على محبة نفسه وحياته شيئا فإذا قدم محبة الإيمان بالله على نفسه بحيث لو خير بين الكفر وإلقائه في النار لاختار أن يلقى في النار ولا يكفر كان الله أحب إليه من نفسه وهذه المحبة هي فوق ما يجده سائر العشاق والمحبين من محبة محبوبهم بل لا نظير لهذه المحبة كما لا مثل لمن تعلقت به وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد وتقتضي كمال اللذة والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة والانقياد ظاهرا وباطنا وهذا لا نظير له في محبة مخلوق ولو كان المخلوق من كان ) ) [1] .

ـ ومن السعادة النفسية أن لا يخاف العبد من أي شيء سوى الله، فيعيش الإنسان آمنا سعيدا لا يخاف من أحد ولا يخشى من حدوث شيء، لأن الله هو النافع الضار وحده ولا يحدث شيء إلا بأمره، وهو يرضى بما يفعله الله، والإبتلاء من الله فيه خير للعبد وهو يظنه شرا، وفي الحديث: (( لا يجد عبد حلاوة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ) ) [2] .

ـ إذا كان رجاء الإنسان وهدفه وطموحه هو الدنيا فإنه يتعب لأن الدنيا لا سعادة فيها ولا راحة فيها، كما أنه كلما حقق هدفا استجد له أهداف أخرى، ويظل يسعي لتحقيق أهدافه حتى يموت دون أن يصل إلى السعادة، كما أن الذي يعيش للدنيا يتعب لأن المتنافسين على الدنيا كثير، وليس كل من يطلب الدنيا يجدها ولكن كل من يطلب الجنة ويسعى لها يجدها، إما إذا كان رجاء الإنسان وهدفه هو رضا الله والجنة فإنه يجد سعادة لأنه سيجد نتيجة تحقيقه الإيمان، أما إذا كان يسعى للدنيا فسيتعب دون أن يحصل على السعادة، فإذا كان رجاءه في رضا الله والجنة فقط أو كان ذلك أكبر رجاءه فإنه يرتاح.

ـ من آثار عبادة الهوى عدم وجود الراحة النفسية لأنه متعلق بأغيار والدنيا كلها متغيرات فمثلا يخاف على نفسه من المرض أو الموت أو يخاف على ماله من الضياع ... الخ، أما الذي ترتبط مشاعره بالله فإن الله لا يتغير وعنده كل ما يريد الإنسان في الدنيا والآخرة وخزائنه لا تنفد. ـ إن المراة المتعلقة بالدنيا عندما تصل إلى سن اليأس تكون في إكتئاب شديد وحالة نفسية شديدة ذلك لأن الشهوة هي حياتها فلما فقدتها فكأنما فقدت كل شيء، فهذا قد ينشأ من تعلق المشاعر بالدنيا.

ـ معرفة الله معرفة حقيقية تؤدي إلى تعلق المشاعر به وحده، وفي ذلك تحقيق السعادة، لأنه عندئذ لا يخاف إلا من اله، والله يستطيع أن يحقق له كل ما يرجوه ويمنع عنه كل ما يخاف ويحقق له أهدافه فيحبه ويفرح به فيعيش سعيدا، لذلك ففي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة هي جنة معرفة الله تعالى، (( قال بعضهم مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب شيء فيها، قيل وما هو؟، قال معرفة الله عز وجل، فمن عاش في الدنيا لا يعرف ربه ولا ينعم بخدمته فعيشه عيش البهائم ) ) [3] ، ولذة معرفة الله (حلاوة الإيمان) هي أمتع من اللذة التي يجدها المحبين في الدنيا وأمتع من كل ألوان الطعام والشراب والشهوات.

ـ كما أن عدم معرفة الله والآخرة معرفة حقيقية يعني غياب الإحساس بالقيمة ويعني أن الإنسان كالمريض أو كالميت لأنه عطل فطرته، فتحدث الأمراض النفسية والإكتئاب لأن الإنسان يعطل الفطرة ويعطل عمل الحواس الطبيعية.

ـ فمن تحقق عنده اليقين الحقيقي بأن الله ربه وبأن الإسلام دينه وبأن محمدا هو رسول الله (ص) فرضي بذلك ووافق عليه، أي رضي بذلك رضا حقيقيا فإنه ينشأ عن ذلك أن تتعلق مشاعره بالله والآخرة فلا يخاف إلا من الله ولا يحب غيره ولا يرجو سواه، فيؤدي ذلك إلى السعادة النفسية، ففي الحديث: (( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا ) ) [4] ، إذن فكل مؤمن لابد أن يشعر بحلاوة الإيمان.

ـ أما الإنسان الميت ليس عنده إحساس بالقيمة فقلبه ميت أو قاسي فلن يتحقق عنده اليقين الحقيقي وبالتالي لن يشعر بحلاوة الإيمان، ففي بحر العلوم للسمرقندي: (( {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} يعني يابسة، ويقال: خالية عن حلاوة الإيمان ) ) [5] .

النافع الضار ـ سعادة؟

(1) روضة المحبين - (1/ 199، 200)

(2) التخريج: حسن (ظلال الجنة ج: 1، برقم: 247)

(3) شرح حديث لبيك ـ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الحنبلي ـ دار عالم الفوائد ـ مكة المكرمة (ج: 1، ص: 68)

(4) حديث صحيح (صحيح الجامع برقم 3425)

(5) بحر العلوم للسمرقندي - (ج 1 / ص 450)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت