ـ ولكي يتحقق الرجاء في رحمة الله لابد أن يتحقق أولا الحب لذات الله لما لله من صفات جميلة هي الجمال كله وصفات حميدة تصل إلى حد الكمال (اليقين الحقيقي بما لله من صفات تجعل الإنسان يحبه ويأنس به من الوحشة) .
ـ وبمعنى آخر لكي يتحقق الخوف من دخول النار، لابد أولا من اليقين الحقيقي بالنار، وينشأ عن هذا اليقين الحقيقي الخوف من مهابة النار ليس خوفا من دخولها ولكن من مقدار ما فيها من الألم.
ـ ولكي يتحقق الخوف من عقاب الله ورجاء ثوابه، لابد أولا من اليقين الحقيقي بالله، وينشأ عن هذه اليقين الحقيقي الخوف من مهابة قدرة الله وعظمته والحب لذاته سبحانه.
ـ فالخوف من والعقاب والرجاء في الثواب في الآخرة لابد أن يسبقه حتما اليقين الحقيقي بالآخرة، وذلك يتمثل في خوف المهابة من أهوال القيامة وخوف المهابة من النار وحب الجنة (وهي مشاعر غير مرتبطة بالثواب والعقاب) وكذلك لابد أن يسبقه حتما اليقين الحقيقي بمن يقوم بالثواب والعقاب وهو الله سبحانه وذلك يتمثل في خوف المهابة والحب والخضوع حبا وخوفا من مهابة الله (وهي مشاعر غير مرتبطة بالثواب والعقاب) .
ـ الخوف من العقاب والرجاء في الثواب (الهدف)
ـ لا يمكن لإنسان أن يعيش بغير قضية تكون هي هدفه يحيا بها ويعيش لها ويتجه إليها بمشاعره وهمومه، فكل إنسان له قضية هي أهم شيء في حياته وهذه القضية تكون هي محور حياته ومستقبله ومصيره، ففي الحديث: (( ... كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ) ) [1] ، وهذه القضية هي ما يرجوه ويخاف من عدم تحقيقه، فكل الناس يريدون الثواب ويخافون العقاب، فمن كان يشعر بخطورة الثواب والعقاب في الآخرة فيكون ذلك خوفه ورجاءه، ومن لا يشعر بخطورة الآخرة فيكون خوفه ورجاءه في أمور الدنيا، وقد يكون للمؤمن طموحات دنيوية ومشاريع تجارية لكن الهدف الأكبر والمشروع التجاري الأكبر هو الجنة والنجاة من النار وذلك في تعلق مشاعره وليس في يقينه النظري فقط، كما أن طموحاته الدنيوية هي لله لتعينه على الطاعة فهي أهداف في الله.
ـ الخوف من العقاب ينشأ من خوف المهابة، ورجاء الثواب ينشأ من الحب:
ـ الإنسان إذا ذهب إلى قسم الحرائق بأي مستشفى مثلا ورأى ما فعلته النار بهؤلاء المرضى فإنه يتألم رغم أنه لم يصب بأي أذى من النار، فهذا هو خوف المهابة من النار، وينشأ عن ذلك الخوف من أن يقترب من النار أو تدركه النار فيصاب مثلهم، وهذا هو خوف العقاب أي خوف الوصول للنار، فإذا لم يشعر الإنسان بالتألم لهؤلاء المرضى فهذا معناه أنه لا يعرف ماذا تعني كلمة نار معرفة حقيقية، وهو ليس حي ولا عقل له، وبالتالي فلن يخاف من العقاب.
ـ فكذلك هلاك الأمم السابقة لابد أن يشعر الإنسان تجاهه بخوف المهابة مما حدث لهم، فينشأ عن ذلك خوف العقاب من أن يكون مصيره مثل مصيرهم.
ـ الإنسان إذا سمع عن رجل كريم جواد يعطي الفقراء والمحتاجين ويساعد الناس فإنه يحبه، وينشأ عن ذلك الرجاء في الحصول على عطاء منه، فإذا لم يحبه فلن يرجوه.
ـ وينشأ عن خوف العقاب ورجاء الثواب الخضوع خوفا من العقاب ورجاءا في الثواب.
ـ الخوف من النار هو في حقيقته خوف من الله، ورجاء الجنة هو في حقيقته رجاء الله:
ـ الخوف من النار هو في الحقيقة خوف من الله، لأن النار ليست موجودة بذاتها وليست هي التي تريد أن تعاقب أحدا، ولكنها عقوبة من الله، لذلك فالخوف من النار في الحقيقة هو خوف من الله من أن يعاقبك بالنار، وكذلك رجاء الجنة هو في الحقيقة رجاء الله في أن ينعم عليك بالجنة، وكذلك الخوف من الآخرة هو في الحقيقة خوف من الله في أن يقيك هول ذلك اليوم، لذلك يقول تعالى: (( إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ) ) [2] ، لذلك فالذي يعبد الله رجاء الجنة فهو يقصد رجاء الله في أن ينعم عليه بالجنة، فالإنسان يريد بعبادته الله فقط وليس الله والجنة، فهو يريد من الله رحمته وجنته ورضاه: (( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) ) [3] ، فالنار هي مجرد مكان يعاقبك فيه الله، والجنة هي مجرد مكان يمتعك فيه الله بألوان المتع، فالجنة والنار هي مجرد أسباب لا حول لها ولا قوة.
ـ مفهوم الخوف والرجاء:
(1) رواه البخاري (556)
(2) الإنسان: 10
(3) الكهف: من الآية 110