فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 166

ـ عندما يجد الإنسان فوائد ونفع له يستطيع أن يحصل عليه فإنه يرجو أن يحصل على هذه الفوائد التي تحقق له اللذة، وعندما يجد الإنسان ضرر يمكن أن يحدث له فإنه يخاف أن يصل إليه، فالمؤمن هدفه الوصول للجنة، أي رجاء الجنة، وهدفه البعد عن النار، أي الخوف من الوقوع في النار.

ـ الإنسان لا يعلم هل هو من أهل الجنة أم من أهل النار، فهو لا يأمن مكر الله، وكذلك لا ييأس من روح الله، أي أنه لا يكون عنده اطمئنان إلى أنه صائر إلى الجنة، ولا يكون عنده يأس أنه صائر إلى النار، وفي تفسير ابن كثير: (( {فَلا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} ؛ ولهذا قال الحسن البصري، رحمه الله: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مُشْفِق وَجِل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن ) ) [1] ، فعنده احتمال أن يكون من أهل الجنة، وذلك يجعل عنده رجاء في رحمة الله وحسن الظن بالله وذلك يدفع همته للوصول إلى الله، وكذلك فإن المؤمن عنده احتمال أن يكون من أهل النار، وذلك يجعل عنده خوف من عذاب الله وذلك أيضا يدفع همته للوصول إلى الله، فكلما تفكر في الاحتمال الأول فرح وانشرح، وكلما تفكر في الاحتمال الثاني خاف ووجل، فهو بين جناحي الخوف والرجاء، ولا يزيد ذلك عن كونه احتمال.

ـ الرجاء يعني الاشتياق إلى لقاء الله والاشتياق إلى الجنة والاشتياق للنجاة من النار فالشيء الذي ترجوه أنت تشتاق إليه وتحبه لما تجد فيه من النفع والخير لك يعني الاشتياق إلى لقاء الله والاشتياق إلى الجنة والاشتياق للنجاة من النار فالشيء الذي ترجوه أنت تشتاق إليه وتحبه لما تجد فيه من النفع والخير لك، والخوف يكون من الوقوع في النار ومن عدم الوصول إلى الجنة ومن الحرمان من لذة النظر إلى وجه الله الكريم ومن غضب الله، فالخوف والرجاء يمثل الإجابة على سؤال: ماذا تريد؟ أي ما الذي تريده وتشتاق إليه وتصبو نفسك وتتطلع إليه أو تخاف منه؟ هل سيارة أو مال أو نساء أم الجنة ولقاء الله؟، فالمؤمن يشتهي الجنة ولقاء الله والكافر يشتهي الدنيا: (( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ) ) [2] ، والمؤمن يريد ويرجو لقاء الله أي يحب ويشتاق إلى لقاء الله: (( مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ) ) [3] ، ومن أدعية الرسول (ص) : (( ... وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بِالْقَضَاءِ وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ ... ) ) [4] ، فهناك المشتاقون إلى الدنيا والمال: (( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) ) [5] .

ـ إن الإنسان عندما يشعر بالغيبيات فإن حساباته في الحياة سوف تختلف تماما، وإنه سوف يسقط الناس من حساباته، لأنه يشعر أن الدنيا ضئيلة ويشعر بأن السعادة إنما هي في الجنة، فتكون الجنة هدفه وطموحه وغايته ومستقبله، فيكون المحور الأساسي والركن الركين الذي يلجأ إليه ويرتكن إليه والوجهة أو اتجاه حياته هو اتجاه إسلامي، فهناك أمور كثيرة يقوم بها في الدنيا لكن المحور الأساسي لهذه الأمور والمرجعية في كل حياته للدين (أي الله ورسوله) .

ـ إن خطورة الإحساس بقدر كلمة"إله"هو أنه من شعر بكلمة إله ورضي بها فهذا معناه أن يعيش حياته رهينا خاضعا له، أي تصبح وظيفته في الحياة ومهمته الأولى التي يكرس حياته من أجلها وهدفه الأكبر وغايته هي أن يعمل عند الله عبدا كما يعمل الخادم عند سيده فيعيش عمره كله على هذا، فهذا اختار أن يكون عبدا لله، أما غيره فاختار أن يعيش حرا كأن لا أحدا يملكه ولا يتبع لأحد وكأنه هو الذي أوجد نفسه أو لا أحد أوجده.

ـ والإنسان حتى وهو يعمل الطاعات يخاف من عدم القبول، ففي الحديث: (( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} قالت عائشة هم الذين يشربون الخمر ويسرقون قال لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات ) ) [6] .

ـ خطورة الخوف والرجاء:

ـ إذا لم يكن لقاء الله والآخرة هدفا للإنسان يترقبه ويرجوه ويخافه فهذا يعني عدم وجود الإيمان الحقيقي بالله والآخرة، فلابد أن يكون الهدف الأكبر الذي يعيش المرء حياته من أجله هو الله.

ـ الإنسان يعمل من أجل مصلحته وما فيه النفع له، فإن كان لا يشعر بالنفع ولا يشعر بما فيه مصلحته في الجنة فإنه سوف يري أن العمل للآخرة تكاليف وأعباء فيتثاقل، وهو يقول بمشاعره أن السعادة إنما هي في المال والمتع والمظاهر والممتلكات والمادة، وإن كان مقتنعا نظريا أن السعادة الحقيقية إنما هي في الجنة، وأن هذه الدنيا أعراض زائلة، لكن هذا في الاقتناع النظري فقط، فمشاعره تتفاعل إيجابا وسلبا فرحا وحزنا بمفردات الحياة من مال ومتع ومظاهر ... الخ، بينما لا تتفاعل مشاعره بالغيبيات.

(1) تفسير ابن كثير - (ج 3 / ص 451)

(2) سبأ: من الآية 54

(3) العنكبوت: من الآية 5

(4) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن النسائي ج: 3، ص: 55، برقم 1306)

(5) القصص: 79

(6) قال الشيخ الألباني: حسن صحيح (جامع الترمذي ج: 5، ص: 327، برقم 3175)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت