فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 166

موجودا فيقول تعالى: (( هَلْ أَتَى عَلَى الْإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شيئا مَذْكُورًا ) ) [1] ، ومما يبين ضآلة الإنسان أيضا أنه كان نطفة لا قيمة لها ولا حياة فيها فكيف لا يخضع لله: (( قُتِلَ الْإنسان مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ) ) [2] ، (( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) [3] .

ـ ومن أثر غياب الإحساس بضعف الإنسان التكبر على الناس وحب المظاهر والتعالي عليهم وعدم محبة الخير لهم وتمني زوال ما عندهم.

ـ وبمعنى بسيط معنى إله أي الذي له صفات القوة، ومعنى عبد أي الذي له صفات الضعف، فإذا شعر الإنسان بذلك شعر بأنه عبد لله، فالضعيف يخضع للقوى، وإذا رفض أن يشعر باستسلامه فهذا هو كفر الإباء والاستكبار القلبي.

ـ فعندما يغفل الإنسان عن حقيقة نفسه فلا يتنبه إلى ضآلته، ويزين الشيطان للإنسان أنه ذو قدر عظيم وكبير، فتكون نظرة الإنسان لنفسه أنه ذو شأن هام عظيم القدر وأن له إمكانيات وقدرات وسيطرة وعلم كبير، فيغتر بما عنده من عقل ذو قدرات هائلة، وأنه هو الذي صنع التقدم العلمي الهائل والتكنولوجيا المبهرة، وأنه يستطيع أن يصنع الأعاجيب، وأن ما عنده من مال أو صحة أو ممتلكات أو صحة جسدية أو جمال أو نعم فهي من صنع يده ونتيجة لكده وعلمه وخبرته، وأنه حر وله الحقوق والسيطرة وقدرات كبيرة، وأنه ليس بضعيف أو ناقص أو يحتاج لغيره فهو يعتمد على نفسه ولا يذل لأحد وليس لأحد عليه سلطان أو مذلة أو حق، ولا يدري أنه بذلك يتعالى على الله ويستكبر أن يخضع له: (( إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) ) [4] ، فإنه ينسي أو يتجاهل قدر عظمة الله، وينسي أو يتجاهل قدر ضآلة نفسه ومدى ضعفه: (( أَوَلَمْ يَرَ الْإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) ) [5] ، فيشعر الإنسان بأنه ذو قدر عظيم، وتتوجه مشاعره تجاه نفسه فيعبد ذاته، فيعتز بنفسه ويرى العزة لنفسه وليست لله: (( فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) ) [6] .

ـ خطورة الإحساس بضآلة الإنسان وضعفه:

ـ غياب الإحساس بقدر ضآلة الإنسان وضعفه هو كفر إباء واستكبار قلبي.

ـ طالما غفل الإنسان عن قدر المخلوق من الضآلة غفل عن قدر الخالق من العظمة، فلا يتنبه إلى مدى عظمته وقدرته، ويزين الشيطان للإنسان أن ينسى قدر الله كأنه ليس ذو قدر عظيم وكبير، فتكون نظرة الإنسان للخالق مثل نظرته لأي أحد من البشر من حيث غياب الإحساس بمدى قدره، فلا يشعر الإنسان بقدر الله كأن الله غير موجود أو موجود ولكن ذو قدر ضئيل، وبالتالي لا تتأثر مشاعره بالخالق، فإذا لم يتحقق الإحساس بضآلة نفسه وضآلة الدنيا وما فيها لم يشعر بعظمة الله وبخطورة الآخرة، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، فكلاهما يحدثان معا بالضرورة، أي إذا حدث الأول ترتب عليه حدوث الآخر بالضرورة.

ـ اليقين بحقيقة الدنيا:

ـ إن الدنيا مثل الطعام الذي يأكله الإنسان مهما كان طعاما جيدا فإنه يصير إلى براز ففي الحديث: (( إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير ) ) [7] ، وفي حديث آخر: (( عن الضحاك بن سفيان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له يا ضحاك ما طعامك قال يا رسول الله اللحم واللبن قال ثم يصير إلى ماذا قال إلى ما قد علمت قال فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا ) ) [8] ، فإذا كان الإنسان يوقن بذلك يقينا حقيقيا فلن تتعلق مشاعره بالدنيا.

ـ ومما يبين ضآلة قيمة المال ما جاء في الحديث: (( عن مطرف عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ(ألهاكم التكاثر) قال يقول ابن آدم مالي مالي، قال وهل لك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت )) [9] أي لا يحتاج من ماله إلا ما يأكله وما يلبسه وكلاهما يفنى ويترك الإنسان ماله ومسكنه وأهله بعد الموت فما نفعه ذلك

(1) الإنسان: 1

(2) عبس: 17 ـ 19

(3) البقرة: 28

(4) الصافات: 35

(5) يّس: 77

(6) فاطر: من الآية 10

(7) تحقيق الألباني (حسن) : (صحيح الجامع برقم 2195)

(8) حديث صحيح: (صحيح الترغيب والترهيب، ج: 2، برقم 2151)

(9) حديث صحيح: (مشكاة المصابيح ج: 3، برقم: 5169)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت