ـ وقد سبق أن أوضحنا أن الدين عبارة عن جانب معرفي وجانب شعوري وجانب عملي، والخلل عندنا هو عدم وجود الجانب الشعوري فأصبح الإسلام عندنا كالجسد الميت ليس فيه الجانب الشعوري.
ـ إذن المطلوب هو تحقيق الجانب الشعوري، ولاحظ أن الإنسان الذي يسعى لتحقيق الجانب الشعوري في نفسه قد يبدو أنه لا يفعل شيئا لكنه في الحقيقة يفعل أخطر شيء في الدين لينقذ نفسه من النار.
ـ الجانب الشعوري عبارة عن أمران هما:
1ـ الإحساس بالقيمة.
2ـ أثر الإحساس بالقيمة على خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوعوالتفكير وطاعات ومعاصي القلوب.
ـ وبالتالي إذا تحقق الإحساس بالقيمة تحقق خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوعوالتفكير وطاعات القلوب المتعلقة بالله والآخرة، وبالتالي تحقق الجانب الشعوري.
ـ والعمل ينشأ كأثر للإحساس بالقيمة.
ـ إذن المطلوب تحديدا هو إيجاد الإحساس بالقيمة، ويتم ذلك عن طريق التفكر والتدبر مع حضور القلب.
ـ وبتعبير آخر فالدين عبارة عن عقيدة وعمل، والمشكلة أن الناس يظنون أن الاعتقادات مسألة معرفية ولكن الاعتقاد بشيء ما لابد أن يكون معه إحساس بالقيمة لخطورة ما تعتقده حتى يكون الاعتقاد صحيحا، فالذي يعتقد بشيء وهو غافل عنه فاعتقاده غير صحيح، والإنسان يعلم في نفسه فقط هل هو غافل عن ما يعتقد أم لا؟، والعقيدة تشمل الاعتقاد الصحيح بالله والآخرة وما ينشأ عن ذلك من الخوف والخضوع والحب لله تعالى، فالعقيدة لابد أن يكون فيها الجانب المعرفي مع الجانب الشعوري.
ـ إذن فالأصل هو إيجاد الإحساس بالقيمة، ولكن لاحظ أنه لن يتحقق ذلك ولن تتحقق الهداية والعمل الصالح إلا إذا أراد الله، فالأصل قبل ذلك هو أن يدعو الإنسان الله أن يهديه وأن يوفقه للأعمال الصالحات ثم يأخذ بالأسباب التي تجعله حيا وليس ميتا بالتفكر مع حضور القلب والتذكر لمعاني الأشياء.
ـ وبتعبير آخر فالمطلوب هو تغيير نظرة الإنسان للأمور من حوله ليشعر بالقيمة الحقيقية للأشياء من حوله، وتغيير مشاعره وهمومه وتفكيره، ونوضح ذلك كالتالي:
ـ تغيير نظرة الإنسان لما حوله معناه أنه يرى الأمور على حقيقتها فينظر إلى الدنيا وما بها من أمور وشهوات وأعمال على أنها ضئيلة فانية، وينظر إلى حياته فيها على أنه مسافر مرتحل من دار الغربة إلى وطنه ودار إقامته وأهله وهكذا.
ـ وتغيير المشاعر معناه أن تتغير المشاعر من مشاعر لا تعرف غير الدنيا إلى مشاعر تعرف الله والآخرة وثوابت الدين أي تغيير ما يحبه وما يكرهه وما يخافه وما يرجوه من أمور دنيوية إلى أمور أخروية وتغيير الطموح من طموح إلى الدنيا إلى طموح إلى الآخرة، ومن أمل في الدنيا إلى أمل في الآخرة.
ـ فالفرق بين المؤمن وغير المؤمن هو تعلق مشاعره، فغير المؤمن مشاعره متعلقة بالمال أو الشهوات أو المظاهر أو العلم الدنيوي أو أي شيء أو أي قضية غير الله والآخرة، أما المؤمن فالشاغل الأكبر لمشاعره هو الله والآخرة.
ـ وتغيير الأهداف والهموم معناه أن تتغير أهداف الإنسان من أهداف وطموحات ومشاريع ورغبات لا تعرف غير رغبات الدنيا إلى أن يصبح الطموح الأكبر هو الآخرة، ومن أماني كالعثور على كنز إلى أماني ورجاء العثور على الكنز الحقيقي (الجنة) لأن كنوز الدنيا تفنى ولا قيمة لها، ومن توجه تفكير الإنسان في أمور الدنيا فيصبح أكثر تفكيره في أمور الآخرة والدين.
ـ أي يتغير ما يتمناه الإنسان ويحلم به، فبدلا من أن يتمنى الإنسان المال وأن يكون غنيا ويحلم بذلك، أو يتمنى المتع المختلفة في الدنيا فإنه يتمنى نعيم الجنة ويحلم به ويتمنى النجاة من النار لأن هذا حال من عرف حقيقة الآخرة وعرف ضآلة الدنيا، وبالتالي هذا حال من آمن بالآخرة إيمانا حقيقيا، فبدلا من أن يكون أكبر ما يتمناه وأكبر ما يحلم به وأكبر ما يرجوه وأكبر ما يطمح إليه ويرجوه ويحلم به ويفكر فيه أن يعثر على كنز مثلا أو يصل لمنصب أو شهوات، ليصبح أكبر ما يتمناه ويطمح إليه ويرجوه ويحلم به ويفكر فيه هو دخول الجنة والنجاة من النار.
ـ وبمعنى آخر فالتغيير المطلوب هو إخراج الدنيا من القلب، وهذا ليس أمرا سهلا فإن أخطر ما عند الإنسان وأغلى ما يملكه هو مشاعره، وإن أصعب شيء على الإنسان هو تغيير مشاعره، وتغيير نظرته إلى قيمة المال والمظاهر والشهوات والعادات من أمور يراها في نفسه عظيمة إلى أمور يراها في نفسه ضئيلة، وفي نفس الوقت لا مانع أن تبقى الدنيا في يده، أي تكون