الدنيا في يده لا في قلبه، وقد سئل الإمام أحمد عن الصاحب يكون زاهدا ومعه مائة دينار قال: (( نعم على شريطة إذا زادت لم يفرح وإذا نقصت لم يحزن ) ) [1] وهذا معناه تغير المشاعر تجاه المال وهو أمر ليس سهلا.
ـ العلاقة بين الإحساس بالقيمة والإيمان:
ـ الإيمان معناه هل تقبل الخضوع لله أم لا؟، فالذي يوافق على هذا المبدأ نظريا ولم يخضع هو في الحقيقة لم يوافق عليه وهو أخذ حيلة يداري بها استكباره وهي التغافل عن الأمر، لذلك فالإيمان الحقيقي ليس مجرد التصديق النظري ولكن هو تصديق نظري مع الخضوع والانقياد والإذعان، ولن يحدث الخضوع إلا إذا تحقق الإحساس بالقيمة فانتبه لخطورة الأمر، لذلك فالإيمان الحقيقي هو تصديق نظري مع إحساس بالقيمة، أما التصديق النظري مع غياب الإحساس بالقيمة هو في الحقيقة تكذيبا.
ـ إذا تحقق الإحساس بالقيمة تحقق الإيمان بالضرورة:
ـ كل من بلغته الدعوة وكان عنده إحساس بالقيمة، فكانت وظائفه سليمة لم تتعطل (قلبه سليم) ، فإنه يؤمن بالضرورة لأن الرسل جاءت بالبينات والحجج الواضحة، فالآيات تبين أن القلب إذا كان سليما غير مطبوع عليه فإنه يقبل الإيمان بمجرد أن يعرفه: (( إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ) [2] ، (( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) ) [3] ، (الذين يسمعون) أي الذين ليس على قلوبهم طبع أو غل أو حجاب أو غشاوة فقلوبهم سليمة من ذلك، (( وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ ) ) [4] .
ـ لا يمكن تحقيق الايمان مع غياب الإحساس بالقيمة:
ـ إذا فقد الإنسان الإحساس بالقيمة أصبح يسمع ولكن لا يشعر بحقيقة ما يسمعه وأهميته وخطورته فكأنه لا يسمع، وكذلك كل الوظائف تتعطل وهذا هو الطبع على القلب، جاء في تفسير القطان: (( {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعآء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} ، إنك أيها الرسول لا تستطيع هدايتهم، لأنهم كالموتى في عدم الوعي، وكالصم في فقدان السمع فليسوا مستعدّين لسماع دعوتك، فلا أمل في استجابتهم للدعوة، ولا في قبولهم للحق، ثم أكد ما سلف وقطع إطماعه في إيمانهم فقال: {وَمَآ أَنتَ بِهَادِي العمي عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ} ولا تستطيع أن تهديَ إلى الحق من عميتْ أبصارُهم وبصائرهم، ولا يمكنك أن تُسمع إلا من يقبل الإيمان بآياتنا فإنهم هم الذين يسمعون منك ويؤمنون برسالتك ) ) [5] .
ـ الإنسان الذي يعيش بغير الإحساس بالقيمة مهما رأى من الآيات فلن تغني عنه شيئا وهناك علماء صعدوا الفضاء واكتشفوا فيه الكثير ولم يغني ذلك عنهم شيئا، ولو رأى معجزات الرسل بعينه لن تغني عنه شيئا، بل ولو رأى الآخرة والجنة والنار ثم عاد إلى الدنيا فلن تغني عنه شيئا: (( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ) ) [6] ، فهم مثل الذي مات له قريب فاتعظ لحظات ثم إذا مرت الموعظة نسي وعاد كما كان، فلن يتعظ بأي شيء ففي تفسير ابن كثير: (((وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) أي: تجهلون عظمة الله وجلاله )) [7] أي لا يشعرون بعظمة الله، وهم يعرفون نظريا عظمة الله لأن ذلك من الربوبية، (( وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) ) [8] .
ـ الإيمان ينقسم إلى قسمين هما:
ـ القسم الأول: الإيمان بربوبية الله وحده وأسماءه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
ـ وهو بدوره ينقسم إلى قسمين هما:
1ـ إيمان نظري: أي إيمان نظري بربوبية الله وحده وأسماءه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
2ـ إيمان حقيقي: أي إيمان حقيقي بربوبية الله وحده وأسماءه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
ـ القسم الثاني: الإيمان بألوهية الله وحده.
ـ وهو بدوره ينقسم إلى قسمين هما:
1ـ أثر الإيمان الحقيقي على خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع، أي إفراد الله تعالى وحده بخوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع، والخوف من الآخرة وحب الجنة، وانقطاع خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع عن غير الله إلا في الله، والفصل الخامس هو بيان لذلك.
2ـ أثر الإيمان الحقيقي على العمل والحياة: أي إفراد الله تعالى وحده بالطاعة، والفصل السابع هو بيان لذلك.
ـ الرسل جاءت من أجل أمرين هما:
ـ حيث أن الإيمان النظري موجود عند جميع الناس مسلمين وكافرين، فالرسل جاءت من أجل أمرين هما:
1ـ إيجاد الإيمان الحقيقي بربوبية الله وحده وأسماءه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، لذلك فالقرآن مليء بأمور التفكر في الكون والزروع والجبال والأشياء والتذكير بنعم الله لأن ذلك يؤدي إلى الإيمان الحقيقي.
2ـ الإيمان الحقيقي بألوهية الله وحده.
ـ (لا إله إلا الله) تشمل كل أنواع التوحيد:
ـ كلمة لا إله إلا الله تشمل كل أنواع التوحيد، وذلك لأن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فيصبح معنى لا إله إلا الله أمران هما:
1ـ لا رب إلا الله ولا خالق إلا الله ولا عظيم إلا الله، أي إثبات كل صفات العظمة والكمال لله وحده، وإثبات كل صفات الضعف والنقص لما سوى الله.
2ـ لا معبود بحق إلا الله، أي توحيد الألوهية بإفراد العبادة لله وحده.
فلا إله إلا الله تشمل المعنيين معا وليس فقط المعنى الثاني، وسبق أن أوضحنا أن الرسل جاءت من أجل توحيد الربوبية الحقيقي ومن أجل توحيد الألوهية (وتوحيد الألوهية ينشأ من توحيد الربوبية الحقيقي) .
ـ إذن لا إله إلا الله تعني أمران هما لا عظيم إلا الله ولا معبود بحق إلا الله.
ـ فقد حاسة السمع للإحساس بالقيمة:
ـ في تفسير أبي السعود: (( إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون أي شأنهم أن يسمعوا الكلام سماع تفهم واستبصار ) ) [9] .
ـ وفي تفسير القرطبي: (( وهم لا يسمعون أي لا يتدبرون ما سمعوا ولا يفكرون فيه فهم بمنزلة من لم يسمع وأعرض عن الحق ) ) [10] .
ـ وفي تفسير القرطبي أيضا: (( إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون يريد سماع تفهم وتدبر ) ) [11] .
ـ وفي تفسير الطبري: (( وقوله إنك لا تسمع الموتى يقول إنك يا محمد لا تقدر أن تفهم الحق من طبع الله على قلبه فأماته لأن الله قد ختم عليه أن لا يفهمه ) ) [12] .
ـ وفي تفسير أبي السعود: (( إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون أي شأنهم أن يسمعوا الكلام سماع تفهم وإستبصار ) ) [13] .
ـ وفي تفسير الواحدي: (( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا سماع قابل وليسوا كذلك يعني المنافقين وقيل أراد المشركين لأنهم سمعوا ولم يتفكروا فيما سمعوا فكانوا بمنزلة من لم يسمع ) ) [14] .
(1) الآداب الشرعية - (2/ 230)
(2) الأنعام: 36
(3) البقرة: من الآية 269
(4) النمل: 81
(5) تفسير القطان - (ج 3 / ص 45)
(6) الأنعام: 28
(7) الأعراف: 138
(8) الزمر: 8
(9) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ـ محمد بن محمد العمادي أبو السعود ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت: (ج: 7، ص: 57)
(10) الجامع لأحكام القرآن: (ج: 7، ص: 388) ـ محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي ـ دار الشعب ـ القاهرة.
(11) المرجع السابق: (ج: 14، ص: 18)
(12) جامع البيان عن تأويل القرآن: (ج: 20، ص: 12) ـ محمد بن جرير بن يزيد الطبري ـ دار الفكر ـ بيروت.
(13) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ـ محمد بن محمد العمادي أبو السعود ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت: (ج: 7، ص: 57)
(14) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ـ علي بن أحمد الواحدي ـ دار القلم ـ دمشق: (ج: 1، ص: 435)