فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 166

فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ (ص ) ) ) [1] ، ومعنى (فيعصبوه بالعصابة) أي اتفقوا على أن يعينوه ملكهم وكان من عادتهم إذا ملكوا إنسانا أن يتوجوه ويعصبوه، ومعنى (شرق بذلك) أي غص ومعناه حسد النبي (ص) ، فالذي منع عبد الله ابن أبي ابن سلول من أن يكون من المؤمنين الصادقين ليس عدم اليقين فقد كان موقنا بما يقوله الرسول (ص) ولكن الذي منعه هو أنه لا يريد أن يترك الملك كما أنه يحسد النبي أنه سيكون قائدهم، ومما يدل على أنه يصدق الرسول (ص) أنه قال للرسول (ص) : (أَيُّهَا الْمَرْءُ لَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا) .

ـ فالمنافقين يصدقون بما جاء به الرسول (ص) ويقولون ذلك بألسنتهم، ورغم ذلك يبين الله أنهم كاذبون: (( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) ) [2] ، وذلك لأن التصديق الذي عند المنافقين هو تصديق نظري وليس تصديقا حقيقيا، وهم في قرارة أنفسهم يعلمون أن يقينهم هذا نظريا و ليس جادا، وهم يخافون إظهار حقيقة يقينهم النظري الهزلي كنوع من الوقاية حتى لا يقول الناس عنهم كافرين، ولكنهم ليس لديهم إحساس بخطورة غياب اليقين الحقيقي من قلوبهم فلا يهتمون بذلك ولا يبالون.

ـ وهناك دليل آخر هو أن اليقين النظري بأنه لا إله إلا الله موجود عند جميع الناس مسلمين وكافرين لأنهم يصدقون بدعوة الرسل وبما قالت به الرسل: (( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ) [3] ، ولقد كان أبو طالب يقول: (( لقد علموا أن ابننا لا مكذب لدينا، ولا يعني بقول الأباطل ) ) [4] ، فإذا سألت أحدا من الكفار هل على الإنسان أن يخضع لله ويحبه ويخافه ويرجوه ويطيعه فيقول نعم، إذن هو يوقن نظريا بألوهية الله، وفي موسوعة الدين النصيحة: (( فالمؤمنون الصادقون هم الذين يوحدون الله في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، والكافرون المعاندون هم الذين يوحدون الله في الشدة والبلاء، دون النعمة والرخاء:"وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين"،"وإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون"، وعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحصين الخزاعي والد عمران بن الحصين رضي الله عنهما: عند الشدة من تدعو؟ وكان له سبعة آلهة، ستة في الأرض وإله في السماء وهو الله عز وجل، فقال: أدعو الذي في السماء ) ) [5] ، وفي الحديث: (( يا حصين كم تعبد اليوم إلها؟ قال أبي: سبعة، ستا في الأرض وواحدا في السماء، قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء ) ) [6] .

ـ ورغم ذلك فإن القرآن يجعل العلم بأنه لا إله إلا الله شرطا من شروط الإيمان: ففي تفسير النسفي: (((وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أى ولكن من شهد بالحق بكلمة التوحيد وهم يعلمون أن الله ربهم حقا )) [7] ، وفي تفسير القرطبي: (( إلا من شهد بالحق يعني عزيرا وعيسى والملائكة فإنهم يشهدون بالحق والوحدانية لله وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به ) ) [8] ، وفي تفسير زاد المسير: (("إلا من شهد بالحق"وهو أن يشهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم وهذا مذهب الأكثرين منهم قتادة ) ) [9] ، (( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) ) [10] ، وفي الحديث: (( من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ) ) [11] .

ـ إذن المقصود بالعلم هنا هو العلم الحقيقي واليقين الحقيقي بأنه لا إله إلا الله، وهو ما ينشأ عنه خوف المهابة والحب والخضوع وخوف العقاب ورجاء الثواب والطاعة في الشدة والرخاء.

ـ الإنسان يعطل وظائفه لإخفاء الإستكبار:

ـ عندما يسمع الإنسان دعوة الرسل يحدث التكذيب بدعوة الرسل بإحدى طريقتين هما: إما أنه لا يقتنع بالأدلة والحجج والدلائل التي جاءت بها الرسل، وهذا مستحيل لأن الرسل جاءت بالبينات والدلائل والحجج واضحة لأي عاقل تدل على صدق هذه الدعوة، لذلك فجميع الناس مسلمين وكافرين عندهم تصديق نظري تام بصدق دعوة الرسل، حتى الملحدين والعلمانيين في ظاهر أمرهم أنهم يجحدون وجود الله والآخرة ولكن في قرارة أنفسهم يقرون بوجود الله والآخرة ففي تفسير ابن كثير: (( {وَجَحَدُوا بِهَا} أي: في ظاهر أمرهم، {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} أي: علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله، ولكن جَحَدوها

(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب اللباس باب الارتداف على الدابة (7/ 257) وفي صحيح مسلم: (ج: 5، ص: 182، برقم:4760)

(2) المنافقون: 1

(3) الأنعام: من الآية 33

(4) مصباح الظلام - (1/ 135)

(5) موسوعة الدين النصيحة - (5/ 58)

(6) مشكاة المصابيح، ج: 2، برقم: 2476)

(7) تفسير النسفي ج: 4 ص: 121

(8) الجامع لأحكام القرآن: (ج: 16، ص: 122) ـ محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي ـ دار الشعب ـ القاهرة.

(9) زاد المسير في علم التفسير ـ عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي ـ المكتب الإسلامي ـ بيروت: (ج: 7، ص: 334)

(10) محمد: 19

(11) تحقيق الالباني (صحيح) : (صحيح الجامع برقم: 6552)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت