ـ فاليقين بالله والآخرة إذا لم يؤدي إلى خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع فهو يقين نظري وليس يقينا حقيقيا، أما اليقين الحقيقي فهو الذي يؤدي إلى هذه المشاعر الخمسة لأن توحيد الربوبية والأسماء والصفات يستلزم توحيد الألوهية، ومن توحيد الألوهية هذه المشاعر الخمسة، ولأنه بالفطرة من عرف الله أحبه وخافه وخضع له ورجاه.
ـ وفي الحديث:: (( ذَاقَ طَعْمَ الإيمان مَنْ رَضِىَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإسلام دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ) ) [1] ، فالحديث يطالبنا بالرضا بالله ربا وليس اليقين النظري به ربا، والرضا هو شعور من المشاعر وليس مسألة معرفية علمية، والحديث يبين أن الإيمان له طعم وحلاوة وبالتالي هو شيء تشعر به وليس شيء تقتنع به فقط، فالإيمان بالله ربا هو شيء تشعر به وتذوق طعمه وليس مجرد الاقتناع النظري بالله ربا يكون إيمانا حقيقيا.
ـ ولذلك يقول المستشار الدكتور على جريشة: (( إن الفصل بين المعنيين"توحيد الربوبية"و"توحيد الألوهية"لا محل له إلا ليكون للبيان والتوضيح .... ونود أن نؤكد أن منهج القرآن في عدم الفصل بين أنواع التوحيد ـ كما ذهب إليها العلماء ـ هو المنهج الأقوم .. وهو الذي يتفق مع أسماء الله وصفاته ) ) [2] .
ـ ولاحظ أن وجود الله وربوبيته وألوهيته وطاعته كل ذلك شيء واحد لا يتجزأ، فمن آمن إيمانا حقيقيا بوجود الله وهو يعقل ماذا يعني أن له إله من ضعف نفسه وقدرة الله عليه، وبالتالي يشعر بالخضوع لله وحبه له، وبالتالي يطيعه، وبذلك يتحقق الإيمان بوجود الله وربوبيته وألوهيته وطاعته معا في وقت واحد، أما اليقين النظري بوجود الله وربوبيته فهو موجود عند الكفار وجميع الناس وهو يقين بلا وعي ولا عقل ولا إدراك حقيقي لما يوقن به ولا يؤدي إلى ألوهية الله وطاعته.
ـ الأدلة على الفرق بين التصديق النظري والتصديق الحقيقي:
ـ كفار قريش كان عندهم تصديق بالقلب مع تكذيب باللسان، فكانوا في أنفسهم يوقنون ويصدقون بأن ما جاء به الرسول (ص) حق، وبالتالي يوقنون ويصدقون بأن البعث حق وبأن الآخرة حق وبأن النار حق وبأن الجنة حق، ولكن بألسنتهم يقولون بأن الرسول (ص) كذاب ويقولون بأنه لا بعث ولا آخرة ولا جنة ولا نار، وذلك بدليل الآية: (( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ) [3] ، (( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) ) [4] ، وهم لا يكذبون الرسول (ص) في أن الله هو خالقهم ورازقهم وربهم، لأنهم كانوا يصدقون بذلك بقلوبهم ويقولون به بألسنتهم: (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) ) [5] ، ولكن كانوا يكذبون بما جاء به الرسول (ص) بألسنتهم في أمر البعث والآخرة، ويصدقون بما جاء به الرسول في قلوبهم في أمر البعث والآخرة، وما كانوا يقولونه بألسنتهم من إنكار البعث كانوا يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم يجادلون بغير علم.
ـ تبين الآيات أن سبب دخول الكفار النار أنهم لم يكونوا موقنين بالله والآخرة في الدنيا كما في الآية: (( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ) ) [6] .
ـ إذن الآيات أثبتت نوعين من اليقين بالله والآخرة كالتالي:
1ـ اليقين بالله والآخرة الذي يدخل به الإنسان الجنة، وأثبتت أنه غير موجود عن الكافرين فمنعهم من دخول الجنة، وهذا هو اليقين الحقيقي.
2ـ اليقين بالله والآخرة الموجود عند جميع الناس بالضرورة ممن بلغتهم الدعوة، وأثبتت أنه موجود عن الكافرين ولم يدخلهم الجنة، وهذا هو اليقين النظري، وقد يكون مع اليقين النظري تكذيب باللسان كما كان مع المشركين، وقد لا يكون معه تكذيب باللسان كما كان مع المنافقين.
ـ ونوضح ذلك من جهة أخرى كالتالي:
ـ المنافقين كان عندهم يقين وتصديق قلبي بالله والآخرة وبأن ما جاء به الرسول حق، والدليل على ذلك أن الرسول (ص) مر على مجلس من الناس فدعاهم إلى الله فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: (( أَيُّهَا الْمَرْءُ لَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَلَا تُؤْذِنَا فِي مَجَالِسِنَا ... فلَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ أَيْ سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ اعْفُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاصْفَحْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ الَّذِي أَعْطَاكَ وَلَقَدْ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُونَهُ بِالْعِصَابَةِ فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ فَذَلِكَ
(1) رواه مسلم (160)
(2) رسالة في العقيدة ـ للدكتور على جريشة صفحة: 47 ـ 49 (دار البشير ـ طنطا) .
(3) الأنعام: من الآية 33
(4) النمل: من الآية 14
(5) الزخرف: 9
(6) السجدة: 12