ـ فالإنسان الذي يوقن يقينا حقيقيا بأنه في حالة اختبار فإنه يكون منتبها لذلك ومنتبها لرقابة الله والملكين فهذا التصور لا يفارق ذهنه، وينشأ عن ذلك مشاعر الخوف والقلق والترقب، ويشغل ذلك الأمر همه ولا يكون همه الأكبر لأمور الدنيا، ويكون هدفه الأكبر النجاح في الاختبار وليس تحصيل أمور الدنيا، وتكون مشاعره وهمومه وأهدافه المتعلقة بهذا الاختبار أكبر بكثير من مشاعره وهمومه وأهدافه المتعلقة بالدنيا، وينشأ عن ذلك أن يهتم بكل ما يخص هذا الاختبار عن كيفيته ومعرفة خطورته ولا يهتم بكل ما يلهي الإنسان عن هذا الاختبار، ويحب كل ما يعينه على هذا الاختبار، ويحب كل من يسعون للنجاح فيه، وينشأ عن ذلك أن يسارع الإنسان في الخيرات لأن كل شيء يتم تسجيله فورا، وطالما أن هذا الامتحان واقعا الآن وما زال مستمرا الآن وفي كل لحظة فلابد أن يستمر الخوف من مهابة الامتحان والخوف من نتيجته ورجاء النجاح فيه.
ـ الإحساس بخطورة الامتحان:
ـ وقت الامتحان وجيز جدا، لأن عمر الإنسان في الدنيا لا يساوى شيء أمام عمره في الآخرة، كما أن الامتحان ينتهي في أي لحظة، ولا يوجد إعادة في امتحان آخر، فنحن في سباق ومسارعة، وهذا الامتحان خطير جدا ومصيري لأنه يترتب عليه أن يوضع الإنسان داخل نار هائلة لمدة أكبر من ملايين السنين هي الخلود في النار، أو أن يعيش في كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين في شباب دائم ومتع دائمة وشهوات لا تنقطع هي الخلود في الجنة.
ـ الشعور بأن الدنيا فرصة ذهبية لا تعوض:
ـ الإنسان طالما لا يزال حي في هذه الدنيا فالفرصة لا تزال قائمة أمامه ليغير من مساره ويعمل لإنقاذ نفسه من النار ويتزود من الطاعة وللفوز بالجنة، فالذين ذهبوا للقبور يتمنون لحظة واحدة ليعودوا ويعملوا أي شيء لعله ينقذهم من النار أو يرتقي بهم درجات أعلى في الجنة فلا يسمح لهم.
ـ فتخيل أنك قد جاءت لحظة موتك وذهبوا بك للقبور، فطلبت من الله أن يعطيك فرصة لتعود، وها أنت الآن قد عدت للدنيا وأمامك الفرصة فماذا أنت صانع؟.
ـ وكل إنسان أمامه واحد من أمرين لا ثالث لهما هو إما أن يفوز بما هو أكبر من كأس العالم وإما أن يتم تعذيبه بالحرق في النار، فكلما نظر إلى الأول اشتاق وازداد حماسا، وكلما نظر إلى الآخر خاف، فهو يؤدي هذه المنافسة وشعوره بين الخوف والرجاء.
ـ الإحساس باقتراب الآخرة واقتراب الموت وقصر الحياة في الدنيا:
ـ الإنسان منذ أن يولد يبدأ العد التنازلي، فكلما مرت ساعة نقص من عمره ساعة، والعد التنازلي مستمر فأنت توشك أن تبلغ، فأنت منذ ولدت تقطع الطريق إلى الله توشك أن تبلغ، فكل يوم يمر من عمرك هو اقتراب من أجلك لتصل إلى لقاء الله تعالى، (( قال فضيل بن عياض لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك توشك أن تبلغ، فقال الرجل: يا أبا علي إنا لله وإنا إليه راجعون، قال له الفضيل: تعلم ما تقول؟ قال الرجل: قلت إنا لله وإنا إليه راجعون، قال الفضيل تعلم ما تفسيره؟، قال الرجل: فسره لنا يا أبا علي، قال قولك أنا لله، تقول: أنا لله عبد وأنا إلى الله راجع، فمن علم أنه عبد الله وأنه إليه راجع، فليعلم بأنه موقوف ومن علم بأنه موقوف فليعلم بأنه مسئول، ومن علم أنه مسئول فليعد للسؤال جوابا، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: تستره، قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقى يغفر لك ما مضى وما بقى، فإنك أن أسأت فيما بقى أخذت بما مضى وما بقى ) ) [1] ، فإنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل.
ـ الإيمان الحقيقي بالآخرة ليس معناه الإيمان بوجود الآخرة فقط وإنما لابد مع ذلك من الإيمان الحقيقي باقتراب الآخرة والإيمان الحقيقي بقصر الدنيا واقتراب الأجل، فان الذي لا يشعر باقتراب الآخرة فان يقينه بالآخرة يقين كاذب، ولو كان هذا اليقين بالآخرة يقينا حقيقيا لشعر بقرب الآخرة فيقول تعالى: (( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) ) [2] أي: يرون وقوعه بعيدا، والمؤمنون يرون ذلك سهلا قريبا، (( أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ) ) [3] ، (( وَمَا أمر السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) [4] ، (( إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ) )) [5] ، (( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) ) [6] .
(1) حلية الأولياء - (ج 3 / ص 404)
(2) المعارج: 6، 7
(3) النجم: 57
(4) النحل: من الآية 77
(5) النبأ: من الآية 40
(6) القمر: 1