ـ إن الدنيا مزرعة للآخرة، فإن السبب من وجود هذه الحياة في الدنيا هو ابتلاء واختبار، ونحن نعيش هذه الحياة من أجل هذا الاختبار، فالدنيا كلها بمثابة امتحان، فلم تخلق الدنيا لتكون مناسبة لنعيش ونقيم فيها ونبحث فيها عن السعادة وإنما هي دار اختبار، فيكون هم المؤمن وشعوره طيلة حياته مثل شعور الطالب قبل الامتحان بل أعظم بكثير، فنحن نعيش الآن في مرحلة اختبار هي أيام عمرنا في هذه الحياة. والمطلوب تحديدا حتى نكون من أهل الجنة هو النجاح في اختبار الدنيا.
ـ لابد أن يشعر الإنسان أنه داخل في مسابقة لها جوائز، ولكن وجه الاختلاف عن مسابقات الدنيا أن كل ناجح في المسابقة ينال جائزة كبيرة، وكل خاسر عليه عقاب شديد، وأن هذا السباق ينتهي فجأة، فمرحلة الدنيا هي مرحلة سباق وتنافس في تحصيل الإيمان وجمع الحسنات: (( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ) ) [1] ، (( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) ) [2] .
ـ الإنسان أثناء السباق أو أثناء الامتحان لابد أن يشعر بالقلق والترقب، ولابد أن يشعر بالتحمس والتحفز كلما قطع خطوات، ويشعر بالضيق كلما أخطأ، وهذا السباق خطير ومصيري لأنه يترتب عليه العذاب الأليم أو النعيم المقيم، وبالتالي إذا لم يشعر الإنسان بالقلق وبالمشاعر التي يشعر بها أي إنسان أثناء الاختبار فهذا معناه أن اليقين بأنه يعيش حياته الآن في مرحلة اختبار غير موجود، وبالتالي فاليقين الحقيقي بالآخرة غير موجود، وعدم شعور الإنسان بأنه في حالة اختبار فهذا معناه أنه يقول بمشاعره أننا خلقنا عبثا رغم وجود اليقين النظري التام بأن الدنيا دار اختبار.
ـ وسواء رضينا أم لم نرضي، وسواء شعرنا بذلك أم لم نشعر، فنحن دخلنا الآن في لجنة امتحان منذ سن البلوغ، ونحن واقعين الآن وفي أثناء هذه اللحظة وفي كل اللحظات تحت رقابة تامة ومتابعة تامة لما يحدث في عقولنا من التفكير والتصور، وما يحدث في مشاعرنا، وما يحدث في أعمال الجوارح، وهذه الرقابة التامة من الخالق نفسه ومن الملكين الرقيب والعتيد، ويتم تسجيل كل شيء بمنتهى الدقة، ومدة الامتحان هي كل فترة عمرنا في هذه الدنيا، وينتهي الامتحان فجأة في أي لحظة ويبدأ بعدها فورا الحساب حيث احتساب الدرجات والنتيجة، ويوم القيامة تتطاير الصحف لكل إنسان كتاب مدون فيه كل شيء فعلته أو اعتقدته لحظة بلحظه فمن أخذ كتابه بيمينه كان من أهل الجنة ومن أخذه بشماله كان من أهل النار.
ـ إن الله لم يخلق السماوات والأرض والإنسان عبثا ولكن لكي يختبره هل يعرف الخالق فيطيعه أم يغفل عن الله، فالله خلق الإنسان على هذه الأرض ليس من أجل أن يعيش ويقيم فيها ولكن لتكون حياته كلها على الأرض عبارة عن اختبار، ويتم تسجيل كل ما يفعله ويعتقده لحظة بلحظة ثم يحاسب عن كل شيء: (( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )) [3] ، وهذه هي الأمانة التي عرضها الله على الإنسان فتحملها، ففي أضواء البيان: (( قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه عرض الأمانة، وهي التكاليف مع ما يتبعها من ثواب وعقاب على السماوات والأرض والجبال، وأنهن أبين أن يحملنها وأشفقن منها، أي: خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهنّ من ذلك عذاب اللَّه وسخطه ) ) [4] ، فالأرض ليست مكان الإنسان الذي يعيش فيه ولكن مكانه المعد لسكنه وإقامته هو في الجنة أو النار، وانما الغرض من الحياة الدنيوية هو للاختبار فقط ثم يعود الإنسان لسكنه.
ـ إن البعض قد يرى منافسة ما في مباراة كرة أنها مصيرية وحاسمة فتحوذ على اهتمامه وتؤثر على أعصابه ومشاعره، ألا يرى هؤلاء أننا نعيش في حالة منافسة مصيرية أشد من هذه المباراة هي الامتحان الذي نعيشه في الدنيا والذي ينتهي بالخلود في الجنة أو الخلود في النار فكيف لا يؤثر ذلك على أعصابه ومشاعره، فأي المنافستين أشد وأخطر وأهم.
ـ عدم وجود الحالة النفسية للطالب في الامتحان معناه عدم وجود اليقين الحقيقي بالآخرة:
ـ إذا لم نكن نشعر بما يشعر به الطالب وهو في لجنة الامتحان، فهذا يعني عدم شعورنا بأننا نعيش في حالة امتحان، وهذا يعني عدم شعورنا بمجيء الآخرة وأنها دار الجزاء على امتحان الدنيا.
ـ وكذلك إذا لم نكن نشعر بما يشعر به الطالب وهو في لجنة الامتحان من وجود مراقبين ولجنة تصحيح تحدد له الدرجات لكل شيء فهذا يعني عدم شعورنا برقابة الله والملكين، وهذا يعني عدم شعورنا بوجود الله وبالملكين.
ـ وحيث أن هذا الامتحان خطير جدا، فلابد أن يكون شعور الطالب في لجنة الامتحان رهيب من القلق والحرص على وضع الإجابات الصحيحة، فإذا لم نكن نشعر بما يشعر به الطالب وهو في لجنة امتحان يترتب عليه مصيره، فهذا يعني عدم شعورنا بأننا نعيش في حالة امتحان، وهذا يعني عدم وجود الشعور بقدر الله والآخرة، رغم وجود المعرفة النظرية التامة بأن الدنيا دار اختبار، ورغم وجود المعرفة النظرية التامة بالله والآخرة.
(1) الحديد: من الآية 21
(2) المطففين: من الآية 26
(3) الزلزلة: 7، 8
(4) أضواء البيان - (6/ 258)