)) [1] ، وفي الحديث: (( يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْكُفَّارِ فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ في النَّارِ غَمْسَةً، فَيُغْمَسُ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أَىْ فُلأن هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ، فَيَقُولُ لاَ مَا أَصَابَنِى نَعِيمٌ قَطُّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الْمُؤْمِنِينَ ضُرًّا وَبَلاَءًا، فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ غَمْسَةً في الْجَنَّةِ، فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً فَيُقَالُ لَهُ أَىْ فُلأن هَلْ أَصَابَكَ ضُرٌّ قَطُّ أَوْ بَلاَءٌ فَيَقُولُ مَا أَصَابَنِى قَطُّ ضُرٌّ وَلاَ بَلاَءٌ ) ) [2] .
ـ فالدنيا دار تعب، ومتعها قليلة وبها كدر، وهذا من رحمة الله، فلو جعل الله الدنيا مليئة بالمتع ورفع عنها التعب لفسد الناس جميعا وكفروا: (( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) ) [3] ، (( وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ، وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخرة عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) ) [4] ، ومعنى (أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي في الكفر، أي يكفر جميع الناس عندما يجدوا أن مَنْ يكفر يكون له هذا النعيم في الدنيا (وهم لا يشعرون أن نعيم الدنيا زائل ولا قيمة له) ، ولذلك ففي الحديث: (( تنزل المعونة من السماء على قدر المئونة وينزل الصبر على قدر المصيبة ) ) [5] .
ـ فهذه الحياة هي حياة مؤقتة عابرة وليست دار إقامة ومعيشة، فهذه الحياة غير مصممة وغير صالحة لتكون دار إقامة واستقرار ومعيشة لكي يبحث الإنسان فيها عن السعادة فالله خلقها بحيث تكون مرحلة مؤقتة وجيزة جدا (رغم أن الإنسان يحسبها طويلة جدا) ، لذلك فسباق الدنيا سباق خاسر لأنك مهما حاولت البحث عن السعادة فلن تجد، فلقد شاء الله أن تكون الحياة كلها تعب وليس فيها راحة: (( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ ) ) [6] أي أن الله يبين أن الدنيا دار تعب ونصب ولكنك تريد أن تجعلها دار سعادة وتبحث فيها عن السعادة!، فمهما حاولت أن تجمل في الدنيا وتدعي أن فيها سعادة فهي دار تعب ولن تستطيع أن تجعلها دار سعادة، واسأل مَنْ جمعوا الأموال لم تحقق لهم السعادة، ومهما حاولت أن تجعل الدنيا دار إقامة فلن تستطيع، وإنك تجد من يبحث عن الاستقرار فليس هنا دار استقرار فإنها دار مؤقتة، وكذلك مَنْ تجد همه في أن يبحث عن الراحة وفي أن يتخلص من تعب ومشاكل وأعباء الدنيا وتكاليفها المعيشية ولن يجد الراحة لأن الله قال: (( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ ) )، فإنك لن تسعد مهما أكلت أو شربت، فالله حكم أنها دار شقاء وتعب وليست دار سعادة، ولكن هناك من لا يزال يتسابق في جمع الدنيا من الأموال والأولاد والمناصب والشهوات، فهو كمن يخبط رأسه في الحائط لأنه لن يجني شيء، أما دار السعادة فهي في الآخرة، إن الذي يشعر بأن الدنيا دار مؤقتة والآخرة دار إقامة وأنه يعيش في غربة يرضي بما عنده من طعام وشراب ومسكن .... الخ ويقنع به ولا يكون عنده طول أمل وطموحات في جلب المزيد من الطعام والشراب والسكن والمتع والشهوات لأنه في غربة، فالذي يعيش مغتربا في بلد ما فإنه لا يبالى بالطعام والشراب .. الخ، فيكون طعامه وشرابه كيفما اتفق لأن طعامه وشرابه ومتعه عندما يعود إلى وطنه ومسكنه في دار الآخرة.
ـ فالذي يبحث عن شهوة النساء الفاتنات لا يجب أن يبحث عنها في الدنيا وإنما يبحث عنها في الجنة، والذي يتطلع إلى النظر إلى العورات يتطلع إلى ذلك في الجنة وليس في الدنيا، والذي يتطلع إلى مسكن فاره أو قصر مشيد يتطلع إلى ذلك في الجنة، والذي يتطلع إلى أن يشرب الخمور ويرقص مع النساء يتطلع إلى ذلك في الجنة، وهكذا، إذن فالإسلام جميل جدا ولذيذ وليس أعباء وتكاليف ويحقق للإنسان السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة حيث السعادة النفسية وراحة البال في الدنيا مع الحياة الطيبة ففي تفسير ابن كثير: (( {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا ـ وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله ـ بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة ) ) [7] .
ـ الإحساس بأننا نعيش الآن في حالة امتحان:
ـ الذي يصنع شيئا ثم يتركه فهو قد صنعه عبثا، فالله لم يخلقنا ثم يتركنا يعيش كل واحد كيفما يريد وكل واحد يفعل ما يريد، ولم يخلق الله الناس ويحدث ما يحدث بينهم ويتركهم وشأنهم، فالله صنع الإنسان من الطين ولكن ليس ليتسلى بهم كما يتسلى الإنسان بالدمى التي يصنعها وإنما خلقهم لحكمة وغاية هي أن يعيشوا وفق ما يريده الله أي لعبادته: (( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) ) [8] .
(1) قال الشيخ الألباني: حسن (ج: 4، ص: 649، برقم: 2478)
(2) قال الشيخ الألباني: صحيح (سنن ابن ماجه ج:2، ص: 1445، برقم: 4321)
(3) الشورى: 27
(4) الزخرف: 33 ـ 35
(5) تحقيق الألباني صحيح (صحيح الجامع برقم: 3001)
(6) البلد: 4
(7) تفسير ابن كثير - (ج 4 / ص 601)
(8) المؤمنون: 115