أو للدنيا فهذا مشاعره تنقص من قدر الإله وتقول أن هناك من هو أجدر منه وذو قدر أكبر منه، أو الذي تكون مشاعره للإله تساوي صفرا وجميع مشاعره متجهة إلى الدنيا فهذا مشاعره تقول: (لا إله) .
11ـ (( فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ) ) [1] ، (( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) ) [2] ، (( وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أمر مُسْتَقِرٌّ ) ) [3] ، (( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) ) [4] .
12ـ وعن علي رضي الله عنه قال: (( ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل ) ) [5] .
13ـ الشيء الذي يصل حبك له إلى درجة العشق بحيث يمتلأ قلبك بحبه فلم يعد في قلبك شيئا لحب غيره، فهذا الشيء أنت بذلك تعبده، فإذا كنت تحب المال إلى درجة العشق بحيث يمتلأ كل قلبك بحبه فأنت تعبد المال، وعلامة ذلك أن يتقطع قلبك على ضياع مليم، وإذا كنت تحب المرأة أو الأولاد أو المظاهر والمناصب أو أي شيء إلى درجة العشق بحيث يمتلأ كل قلبك بحبه فأنت تعبد ذلك الشيء من دون الله، وعلامة ذلك أن يتقطع قلبك علىه إذا ابتعد عنك.
ـ فمعنى كلمة (إله) أي هو الذي يجعلك تتحير وتندهش وتعجب به إعجابا شديدا بمدى صفاته، فتحبه إلى درجة العشق بحيث يمتلأ كل قلبك بحبه، وعلامة ذلك أن يتقطع قلبك على البعد عنه، أي هو الذي لا تستطيع أن تقطع تفكيرك ومشاعرك وهمومك وأهدافك عنه، أي هو الذي يتعلق تفكيرك ومشاعرك وهمومك وأهدافك به بشدة أي إلى درجة الوله، وهذا هو معنى كلمة (إله) في اللغة، ففي تاج العروس: (( وفي حدِيثِ وهب بنِ الوَرْدِ:(إذا وَقَعَ العَبْدُ في *! أُلْهانِيَّةِ الرَّبِّ، ومُهَيْمِنِيَّة الصِّدِّيقِيْن ورَهْبَانِيَّةِ الأبْرارِ لم يَجِدْ أَحَدًا يَاخُذ بقَلْبِه) ، أَي لم يَجِدْ أَحَدًا يَعجبُه ولم يُحِبَّ إلاَّ اللَّهَ سبحانه، قالَ ابنُ الأثيرِ: هو فُعْلانِيَّة مِن ألِهَ يَالَهُ إذا تَحَيَّرَ، يُريدُ إذا وَقَعَ العَبْدُ في عَظَمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ وغيرِ ذلِكَ مِن صفَاتِ الرُّبُوبيَّةِ وصَرَفَ توهّمُه إليها، أَبْغَضَ الناسَ حتى ما يميلَ قلْبُه إلى أَحَدٍ )) [6] ،"الوله"يدل على الحب والفرح بالمحبوب لدرجة أنه إذا ابتعد عنك تتحير ويذهب عقلك وتحزن حزنا شديدا، وهذا التحير والحزن هو الوله: (( الوَلَهُ: ذهابُ العَقل والفُؤاد من فُقْدانِ حبيب، يقال: وَلِهَت تَوْلَهُ وَتَلِهُ، وهي والهةٌ ووَالِه. وكل انثى فارقت وَلَدَهَا فهي والِهٌ ) ) [7] ، (((وله) الوَلَهُ الحزن وقيل هو ذهاب العقل والتحير من شدّة الوجد أَو الحزن أَو الخوف والوَلَهُ ذهاب العقل لفِقْدانِ الحبيب )) [8] ، [[فمن أشرك في محبة الله تعالى غيره، فهو مشرك لقوله: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ) )[9] ، ومن أمثلة ذلك الغلو في محبة الوطن، الزعماء، المذهب الفقهي، القائد، الجماعة، الوالدين، القبيلة والعشيرة]] [10] .
ـ إذن إذا تعلق قلبك بشيء بشدة لدرجة الوله فأنت تعبد ذلك الشيء، ومن أمثلة ذلك الخوف الشديد إلى درجة الوله على الصحة وعلى العمر وعلى المال وعلى الفقر وعلى الرزق، والحزن والاكتئاب الشديد إلى درجة الوله من تقدم العمر والشيخوخة وفوات أي أمر من أمور الدنيا، والحب الشديد لدرجة الوله للمال أو للشهوات أو للدنيا كحب الإنسان للمرأة لدرجة الوله.
ـ ومن أثر ذلك أن تفرح وتسعد بالحديث عنه وذكره، فتكثر من الحديث عنه وتجد في ذلك سعادة واطمئنان، فبدلا من أن تأنس وتطمئن بذكر الله فتأنس وتطمئن بذكر شهوات النساء والحديث عنهن مثلا: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ) [11] .
ـ مثال:
ـ إذا أخذنا عبادة المال مثلا، فالمسلم يقع في النفاق الأكبر بعبادته المال إذا كانت المشاعر المتعلقة بالله والآخرة موجودة ولكنها أقل من المشاعر المتعلقة بالمال، فشعوره بقدر المال في قلبه أكبر من شعوره بعظمة الله في قلبه، أي إذا كان تعلق القلب بالمال أكبر من تعلق القلب بالله، وذلك رغم وجود المعرفة النظرية التامة بعظمة الله وضآلة قيمة المال، فيكون حبه
(1) طه: 16
(2) محمد: 16
(3) القمر: 3
(4) الكهف: من الآية 28
(5) رواه البخاري: (مشكاة المصابيح، ج: 3، برقم 5215)
(6) تاج العروس من جواهر القاموس - (36/ 322)
(7) العين: (ج 1 / ص 281)
(8) لسان العرب - (ج 13 / ص 561)
(9) البقرة: من الآية 165
(10) شرح نواقض الإسلام ـ محمد بن إبراهيم الشيباني ص: 9 (مركز المخطوطات والتراث والوثائق ـ الكويت)
(11) الرعد: 28