ومن هنا نعرف خطورة التغني بحب النساء والأوطان ... الخ والسماع والتجاوب لذلك حيث يؤدي إلى الغلو في حب غير الله، من المعلوم من الدين بالضرورة أن الآخرة أفضل من الدنيا، ولا يوجد إنسان لا يعرف ذلك، فالذي يؤثر الدنيا على الآخرة بمشاعره (وليس باقتناعه النظري فهو مقتنع نظريا تماما بأن الآخرة أفضل من الدنيا) فكأنما ينكر ذلك بمشاعره، لأنه لو كان صادقا فعلا فيما هو مقتنع به نظريا لكان تأثر مشاعره بالآخرة أكبر، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( قد ينتهى النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ} [البقرة: 165] ، ولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان، والله تعالى إنما ذكره في القرآن عن امرأة العزيز المشركة، وعن قوم لوط المشركين، والعاشق المتيم يصير عبدًا لمعشوقه، منقادًا له، أسير القلب له ) ) [1] ، ويقول ابن القيم: (( قال الله تعالى:(ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله) فأخبر أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية بخلاف ند المحبة فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم )) [2] .
4ـ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( فمن آمن بالله رب كل شيء وخالقه ولم يعبد إلا الله وحده بحيث يكون الله أحب إليه من كل ما سواه وأخشى عنده من كل ما سواه وأعظم عنده من كل ما سواه وأرجى عنده من كل ما سواه بل من سوى بين الله وبين بعض المخلوقات في الحب بحيث يحبه مثل ما يحب الله ويخشاه مثل ما يخشى الله ويرجوه مثل ما يرجو الله ويدعوه مثل ما يدعوه فهو مشرك الشرك الذي لا يغفره الله ) ) [3] .
5ـ الحديث: (( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِىَ رَضِىَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ ) ) [4] .
6ـ جاء في الحديث: (( ليغشين أمتي من بعدي فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل ) ) [5] ، وفي حديث آخر: (( بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا ) ) [6] .
7ـ جاء في الحديث: (( الدنيا حلوة خضرة فمن أخذها بحقها بارك الله له فيها ورب متخوض فيما اشتهت نفسه ليس له يوم القيامة إلا النار ) ) [7] .
8ـ (( قال عيسى ابن مريم عليه السلام: لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم الدنيا عبيدا ) ) [8] .
9ـ يقول ابن القيم: (( فصل في القلب الميت: والقلب الثاني ضد هذا وهو القلب الميت الذي لا حياة به فهو لا يعرف ربه ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالي إذا فاز بشهوته وحظه رضى ربه أم سخط، فهو متعبد لغير الله حبا وخوفا ورجاء ورضا وسخطا وتعظيما وذلا، إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه، فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه، فالهوى إمامه والشهوة قائده والجهل سائقه والغفلة مركبه، فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور، ينادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، ولا يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد، الدنيا تُسخطه وتُرضيه والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه، فهو في الدنيا كما قيل في ليلى عدو لمَنْ عادت وسلم لأهلها ومَنْ قربت ليلى أحب وأقربا، فمخالطة صاحب هذا القلب سقم ومعاشرته سم ومجالسته هلاك ) ) [9] .
10ـ دليل من الفطرة: معنى كلمة رب وإله في لغة المشاعر:
ـ الرب أو الإله لابد حتما أن يكون أكبر من البشر في صفاتهم وقدراتهم وإمكانياتهم وقدرهم وفي كل شيء لأنه الذي خلقهم بدليل الآية: (( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) ) [10] ، وبغير أن يكون الإله أكبر وأعظم من البشر فلا يكون إله، وهذا هو أبسط معنى لكلمة الإله ويعرف ذلك كل الناس بالفطرة وبدون أن يتعلموا شيء، وطالما أن الإله أكبر فهذا يعني بالضرورة أن تعلق المشاعر به أكبر، وبالتالي إذا ساوى أحد في مشاعره بين الله وبين غيره، فإنه يساوي بين الله وبين البشر في القدرات والصفات كأنه مثل أي واحد من البشر، كذلك من تكون مشاعره تجاه الله أقل من المشاعر المتجهة للبشر
(1) مجموع الفتاوى (مجمع الملك فهد) - (254/ 15)
(2) مدارج السالكين - (3/ 20)
(3) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ـ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني ـ دار العاصمة ـ الرياض (ج: 6، ص: 31 ـ 32)
(4) رواه البخاري (2924)
(5) حديث صحيح (صحيح الجامع برقم 5460)
(6) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 487، برقم 2195)
(7) التخريج: صحيح (صحيح الترغيب والترغيب ج: 3، برقم: 3219)
(8) الزهد - (ج 1 / ص 32)
(9) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ـ محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ ابن القيم (ج:1، ص: 9) .
(10) فصلت: من الآية 15