ـ إذا كنت لا تشعر بقدر وعظمة القرآن، فإن القرآن في مشاعرك هو كلام عادي مثل كلام أي شخص عادي، وإن كان في الاقتناع النظري هو كلام الله العظيم وهو القرآن العظيم، وهذا هو الفرق بين الاقتناع النظري والإحساس بقدر القرآن.
ـ الإحساس بقدر ما يعنيه وصول كلام من الخالق:
ـ لقد وضع علماء الفلك أجهزة إستقبال هائلة تستطيع أن تستقبل أصوات أو رسائل لأي كائنات يمكن أن تكون موجودة في مجرات أخري فذلك أمر عجيب، إن هناك قوة خفية عنا هي التي تدير هذا الكون الهائل فذلك قوة الخالق، فكيف نتصور أن يصل إلينا كلام من الخالق من فوق سبع سماوات وليس من مجرة أخري إلى سكان الكرة الأرضية من البشر ووصوله بلغة البشر وتحديدا باللغة العربية؟، كيف ينزل هذه الكلام وكيف يمكن إستقباله؟ إنه أمر عظيم يشتاق إليه الإنسان ليعرف مَنْ هذا الخالق وما يريده منا؟، تخيل حال الناس بغير أن تنزل الكتب السماوية أو يأتي الرسل إنهم سوف يتمنون أن يرسل الخالق إليهم رسالة يعرفهم بمراده ويقسموا أنهم سيكونون في قمة الخضوع والشكر لذلك: (( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ) ) [1] ، إنه كلام ليس من كائنات متطورة عنا ولكنه من الذي بيده ملكوت كل شيء إلى سكان هذه الهباءة من الأرض.
ـ إن القرآن هو رسالة من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فهو بين أيدينا الآن نقرأه في عالم الشهادة، لو كان القرآن الذي بين أيدينا الآن هو كلام لرجل في عالم الغيب ينصحنا فيه ويعرفنا بما يكون من أمر الآخرة لكان له شأنا عظيما، فما بالك وهو كلام الخالق وهو يخبرنا بما يكون من أمر المستقبل في الآخرة.
ـ تصور رسالة نزلت إلينا من السماء مكتوب فيها:"من الله تعالى إلى الناس "مثلا فكيف تشعر بكلام الله وكيف تتعامل مع كلام الله من العظمة؟، فإن إنزال القرآن من عند الله ليس أمر عادي وإنما يدعو إلى الشعور بالإنبهار والوجل والتعظيم.
ـ إنك إذا نظرت إلى ساحر مثلا فيأخذك العجب وتتفاعل مشاعرك بما يصنع، فماذا لو كان سحره هذا حقيقة؟، فما بالك والقرآن أعظم معجزة فهو أعظم من معجزات كل الأنبياء، فهل تنظر إلى القرآن بين يديك علي أنه معجزة فتتفاعل مشاعرك بما فيه من إعجاز؟.
ـ إذن فالإحساس بوصول كلام من الخالق يعني الشعور بخوف المهابة والحب لأن الإنسان يحب الشيء العظيم القيمة الهام، ولكنك تجد أن القرآن نزل علي الإنسان فلم يتأثر به في حين لو نزل القرآن علي جبل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) ) [2] ، وما أكثر ما ورد عن الصحابة والتابعين عن تأثرهم بالقرآن لمجرد أنهم شعروا أنه كلام الخالق العظيم سبحانه إلى العبيد من البشر.
ـ إن الذي يحمل مصحفا ولا يدري مدى خطورة ما يحمل وقيمته وما يعنيه من الأهمية، وبالتالي لا يعمل بما فيه فهو كالحمار: ففي تفسير ابن كثير: (( يقول تعالى ذاما لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها ثم لم يعملوا بها مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا أي كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدري ما فيها فهو يحملها حملا حسيا لا يدري ما عليه وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه حفظوه لفظا ولم يتفهموه ولا عملوا بمقتضاه بل أولوه وحرفوه وبدلوه فهم أسوأ حالا من الحمير لأن الحمار لا فهم له وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: (( أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) ) [3] .
ـ تخيل لو أن هناك كنز عظيم جدا يطمح إليه كل الناس لكن لا أحد يعرف مكانه بالضبط وكيفية الوصول إليه، فإذا وجدت خريطة مكتوب فيها مكان الكنز وكيفية الوصول إليه كيف يكون فرحك وحبك لمدى أهمية وخطورة هذه الخريطة، إن هذا الكنز حقيقي فعلا وأعظم من كل الكنوز التي يتخيلها الإنسان وهو الجنة وهذه الخريطة هي القرآن، أو تخيل لو أن هناك كارثة متوقعة سوف تهلك الناس ولا أحد يعرف كيفية الخلاص فإذا وجدت خريطة مكتوب فيها كيفية الخلاص من هذه الكارثة فكيف يكون فرحك وحبك لهذه الخريطة، إن هذه الكارثة حقيقية فعلا وهي النار، وهذه الخريطة هي القرآن، أو تخيل أننا نعيش من غير رسل فلا أحد يدرى ما سر الحياة وما سر الأشياء ولماذا خلقنا ثم عثرت على مخطوطة قديمة تكشف لنا هذه الأسرار فكيف يكون فرحك بها وحبك لها، إن هذه المخطوطة هي القرآن.
ـ الشعور بأن هذا القرآن هو كلام الله:
(1) طه: 134
(2) الحشر: من الآية 21
(3) تفسير القرآن العظيم ـ اسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي ـ دار الفكر ـ بيروت (ج: 4، ص: 365)