فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 166

بين أحد البشر وبين الغيب فإن الرسول في مشاعره سوف يكون رجل عادي أتى برسالة عادية من شخص عادي، وإن كان في الاقتناع النظري هو رسول الله أتى برسالة عظيمة من العظيم سبحانه، وهذا هو الفرق بين الاقتناع النظري والإحساس بقدر الرسول (ص) .

ـ إن إنزال الوحي من السماء من عالم الغيب إلى واحد من البشر في عالم الشهادة أمر عجيب ويحتاج إلى تصور وشعور، فمثلا لو قال أحد رواد الفضاء أنه وصلته رسالة من كائنات فضائية علي كوكب لنجم آخر في السماء فلابد أن يحدث العجب والانبهار، فالإحساس بقدر كلمة (رسول الله) يعني الإحساس بكيفية وصول رسالة من أحد لا نراه وليس من البشر، وليس الأمر فقط كذلك بل إنه من الخالق العظيم ومن فوق سبع سماوات تنزل رسالة إلى واحد من سكان الكرة الأرضية (تلك الهباءة المعلقة في الفضاء) ليبلغ رسالة الخالق العظيم إلى باقي العبيد.

ـ إن الذي خلق الإنسان وكل هذا الكون لا يمكن أن يتركهم دون يعرفهم بمَنْ هو ولماذا خلقهم، ولكي يعرفهم بذلك، فإما أن يكلم هو الناس فيسمعه كل الخلق، فبماذا يشعر الناس عندئذ؟، إنه شعور رهيب، أو يُنزل إليهم أحدا من الملائكة فينزل من عند الله ويهبط إلى الناس من السماء فيخبرهم، وتصور ذلك عندما ينزل إلى الناس ملك من الملائكة يمشي بين الناس ويكلمهم وهو علي هيئته الهائلة المرعبة ويراه الناس ويكلمونه ويرد عليهم، ويخبرهم أنه جاءهم من عند الله، بماذا يشعر الناس عندئذ؟، إنه أيضا شعور رهيب، إن ذلك يزيد من شعورهم بالله أي يزيد من إحساسهم بوجوده وصفاته لأن أمامهم مَنْ جاء إليهم من عنده، ومن رحمة الله أنه أنزل الوحي على بعض البشر ليكونوا رسلا إلى الناس.

ـ إن الرسول هو واحد من البشر، وذهب إلى الله وقطع مسافة رهيبة بالبراق (في رحلة الإسراء والمعراج) ، وتخيل لو أنك أنت سمح لك الله أن تذهب في هذه الرحلة لتصل إلى الله مثلما سبقك واحد من البشر [الرسول (ص) ] ، بماذا تشعر؟، وبماذا كنت تكلم الله؟، إنك ينبغي أن تتخيل أن الرسول نزل إليك أنت شخصيا عائدا من رحلة المعراج ليبلغك بما قال الله له، فهذا هو الإحساس بقدر كلمة (رسول الله) ، إنه شعور رهيب أن يأتيك أحد برسالة من عند الله تعالي.

ـ تصور أنه يأتي إليك رجل فيقول لك: أنا قدمت الآن من كندا (مثلا) وكنت مع أخيك في السفر، وهو بخير ويخبرك بكذا وكذا، إن هذا الرجل هو رسول لك من عند أخيك، فكذلك فإن رجلا جاء إلى الناس وقال لهم إني رسولٌ إليكم من عند الله، إن الرسول (ص) لم ينزل من السماء إلا أنه يستطيع أن يستقبل الرسائل (الوحي) من عند الله، فينزل الوحي من عند الله حاملا الرسالة إلى الرسول (ص) ، فإن جبريل هو رسول بين الله ومحمد (ص) .

ـ مما سبق يتبين ماذا يعني أن يكون هناك رسول من عند الله إلى الناس فتشعر بوجود صلة محسوسة تربط بين الناس وبين الله فتشعر بمَنْ أرسله إليك فتخضع له وتخضع لأمره.

ـ إن الإحساس بقدر الرسول يقتضي مرحلتين: مرحلة نزلت فيها رسالة الله من فوق سبع سماوات من عند الله إلى الكرة الأرضية تلك الهباءة الضئيلة في الفضاء وذلك بواسطة أمين الوحي جبريل فهو رسول سمع ما قاله الله له ثم نقله ونزل به إلى أن وصل إلى الأرض، والمرحلة الثانية أن يستقبل هذه الرسالة واحد من البشر هو الرسول (ص) لينقله إلى باقي البشر.

ـ الإحساس بقدر الرسول (ص) وحبه:

ـ الرسول يأخذ قدره من قدر من أرسله، ويأخذ حبه من حب مَنْ أرسله، فإذا جاءك من حبيب فأنت تحبه وتكرمه وتحتفي به، وإذا جاءك من عدو فأنت تكرهه، والرسول (ص) جاءك من عند مَنْ تحب، فهو ليس رسولا يأتيك برسالة من أي شخص في الدنيا ولو كان ملكا، إنه يأتيك برسالة من عند ملك الملوك، ولابد أن تعرف قدر الله سبحانه وعظمته وقدرته أولا فتشعر بعظمة الرسول ليس لذاته ولكن لكونه رسولا للعظيم سبحانه.

ـ نعمة الإسلام هي أحب إليك من نعمة المال والولد والزوجة وأحب إليك من نفسك، لأن بالإسلام تعرف الله وبه تدخل الجنة وما فيها من النعيم الذي لا ينفد، وبالتالي من أرشدك إلى الإسلام هو أحب إليك من نفسك ومالك وولدك، ومن يعرف نعمة الإسلام هو الذي يحب الإسلام ويحب من أرشده إليه أكثر مما يحب نفسه وولده، فإن الذي يدلك على طريق الكنز أو ينبهك من خطر يهلكك ويدلك على طريق النجاة منه فكأنما هو يعطيك هذا الكنز أو كأنما هو ينجيك من هذا الخطر لأنه إذا لم يدلك على طريق الكنز لم تحصل عليه وإذا لم ينبهك للخطر ويدلك على طريق الهرب والمفر منه وقعت في هذا الخطر، كما أنك تحب الرسول (ص) في الله لأنه أفضل الناس إيمانا، بالإضافة إلى فضل الرسول (ص) عليك وعلي الأمة أنه أرشد الأمة إلى طريق الحق، كما أنه الشفيع ... إلخ، فأنت تحبه حتى يكون أحب أليك من نفسك ومالك ففي الحديث: (( لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَأَهْلِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) ) [1] ، وفي حديث آخر (( .. كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِلاَّ مِنْ نَفْسِى. فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: لاَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ نَفْسِى، فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله

(1) رواه النسائي (5031)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت