فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 166

ـ التوكل على الأسباب هو أثر لعبادة الأسباب، والتوكل على الله هو أثر لعبادة الله، فالتوكل على الأسباب ينشأ من عبادة الأسباب أو من ضعف الإيمان بالله.

ـ التوكل على الله معناه أن تترك نفسك لله يفعل بها ما يشاء، فعندما يشعر الإنسان بأن الدنيا وما فيها من مال ومتاع ليس لها قيمة، وأنها لا تنفع ولا تضر، فهو يشعر بأنه في استغناء عنها وعدم الاحتياج لها ويشعر بالزهد فيها، وعندما يشعر بضآلة الإنسان وأن كل الناس لا يملكون نفعا ولا ضرا، فهو يشعر بأنه في إستغناء عنهم وعدم الإحتياج لهم، وعندما يشعر بعظمة الله وأنه وحده النافع الضار، فهو يشعر بأنه في إحتياج إلى الله وحده والإعتماد عليه وحده.

ـ مفهوم التوكل على الله:

ـ أصل القضية ليس التوكل على الله ولكن اليقين الحقيقي بأن الله هو الوكيل، حيث إذا لم يتحقق هذا اليقين لم يتحقق الإيمان، وكيف يكون الإنسان موقنا بأن الله هو الوكيل ثم لا يتوكل عليه؟!، فمثلا كيف يكون الإنسان موقنا بأن أمامه طعام شهي وهو جائع ثم هو لا يأكل؟!، فذلك يدل على أنه غير موقنا يقينا حقيقيا بأن أمامه طعام شهي أو أن يقينه ضعيف جدا.

ـ إن الإنسان عبارة عن مادة مصنوعة تتحرك وفق أمر الصانع ومصنوعة بالكيفية التي صنعها بها، فلابد أن تشعر أنك مادة مصنوعة في يد غيرك يفعل بك ما يشاء، ويشكلك كيف يشاء: (( فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ) ) [1] ، وتصميم شكل الإنسان أن تكون عينه هنا، وأنفه بهذا الشكل وهكذا هو تصميم وتشكيل من صنَعه وشكَّله، ولم يدعي أحد من البشر أن قام بشيء من هذا التصميم، وهناك برنامج داخلي موضوع لكيفية عمل هذا الأجهزة بالجسم فهذا البرنامج أيضا وضعه صانع هذه المادة المتحركة والمسماه بالإنسان، وأيضا الخالق هو الذي سمى هذه المادة المتحركة بالإنسان، ومن هنا وبمنتهى البساطة يتحقق التوكل والخضوع والحب والخوف من الخالق بصورة تلقائية.

ـ فالتوكل معناه أن يسلم الإنسان أمره لله، ويسلم نفسه لله يفعل بها ما يشاء، فيبيع نفسه لله فلم تعد ملكا له، فلا يعيش من أجل نفسه ولكن من أجل أحد غيره هو الله سبحانه.

ـ يوضح ابن القيم رحمه الله معنى التوكل فيقول: (( قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب ومعنى ذلك: أنه عمل قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح ولا هو من باب العلوم والإدراكات، ومن الناس: من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول: هو علم القلب بكفاية الرب للعبد، ومنهم: من يفسره بالسكون وخمود حركة القلب فيقول: التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب كانطراح الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء وهو ترك الاختيار والاسترسال مع مجاري الأقدار .. وقال ذو النون: خلع الأرباب وقطع الأسباب يريد قطعها من تعلق القلب بها لا من ملابسة الجوارح لها .. وقيل: التوكل قطع علائق القلب بغير الله، وسئل سهل عن التوكل فقال: قلب عاش مع الله بلا علاقة [2] ، وقيل: التوكل هجر العلائق ومواصلة الحقائق وقيل: التوكل أن يستوي عندك الإكثار والإقلال، وهذا من موجباته وآثاره لأنه حقيقته ) ) [3] .

ـ ومما يحقق التوكل شعور العبد بأن مشيئته مقيدة، فمشيئة العبد وإرادته واختياره هي جزء من قدَرِ الله الذي كتبه، وأعمالنا مخلوقة وكل ما نصنعه وما نبنيه هو مخلوق لله (( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) ) [4] ، وهذا يعني الشعور بالاستسلام والانقياد والخضوع لله والتوكل عليه، فالله بيده الأمر كله.

ـ (( قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك هذا من التوكل؟ قال: على أربع خلال: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فلست أهتم له، وعلمت أن علمي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني بعين الله في كل حال فأنا أستحيي منه ) ) [5] .

ـ ارتياح الإنسان واطمئنانه الناشئ عن أن له دخل ثابت في عمل حكومي أو من عقار أو أرض يؤجرها لأحد أو غير ذلك مما يدر عليه دخل ثابت أو شبه ثابت، أو ارتياحه الناشئ عن وجود معاش أو تأمين في حال المرض أو تأمين على الممتلكات، فهذا الارتياح دليل على أنه متوكل على هذه الأسباب ومعتمد عليها، فلو أن هذه الأمور غير موجودة فستجده خائف مضطرب على رزقه وصحته وممتلكاته، في حين المؤمن يوقن يقينا حقيقيا بأن رزقه من عند الله وأنه ثابت لا يتغير ومضمون في كل وقت وكل حال.

ـ فقدر الرزق الذي يأتيك أنت لست مسئولا عنه سواء كان كثيرا أم قليلا، ولست أنت الذي ترزق نفسك أو عيالك وزوجتك.

(1) الإنفطار: 8

(2) يقصد بلا علاقة مع غير الله تعالى.

(3) مدارج السالكين - (ج 2 / ص: 114 ـ 116) .

(4) الصافات: 96

(5) شعب الإيمان: [جزء 2 - صفحة 97]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت