فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 166

ـ والعكس صحيح، فقلق الإنسان من عدم وجود عمل يتكسب منه، أو خوفا من أنه قد يترك العمل ... الخ، فكل ذلك يدل على عدم توكله على الله (يستثنى القلق الفطري الخارج عن إرادة الإنسان) .

ـ وكذلك من سرق مليما فليس بمتوكل، لأنه استعجل رزقه الذي كان سوف يأتيه حتما، والإنسان إذا أخذ مليما ليس من رزقه فلن يستطيع إنفاقه أو يَضيع منه أو يصرفه في شيء لا قيمة له أو يمرض أو يمرض أحد من أبناؤه فيصرفه في العلاج، أو يصاب بابتلاء بفقد شيء من ممتلكاته .... الخ.

ـ ملحوظة:

ـ القلب منقطع عن الأسباب والجوارح تأخذ بالأسباب، وليس في هذا تعارض لأن الأخذ بالأسباب لا يعني العمل من أجل الحصول على الرزق أو بنية الحصول على الرزق، لأن العمل ليس هو الذي يجلب الرزق وليس واسطة للحصول على الرزق، إنما العمل بالأخذ بالأسباب طاعة لله لأنه أمر بالأخذ بالأسباب، فأنت تأخذ بالأسباب ليس لجلب الرزق ولكن لأن الله أمرك بهذا، ولذلك ففي الحديث: (( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ) ) [1] ، فلو كان يقصد أن هذا السبب يجلب الرزق لما زرعها ولكن الأخذ بالأسباب طاعة لله، فلو أمرك الله بعمل ما وهذا العمل لا تأخذ عليه راتبا فعليك بالعمل، ولابد أن تكون هذه هي النية في أي عمل تعمله لأن الراتب ما هو إلا صورة من صور الرزق الذي يأتيك من عند الله تعالى.

ـ البعض يظن أن سبب تخلف المسلمين هو عدم الأخذ بالأسباب فقط، وفي هذا مغالطة من ناحيتين هما:

أولا: أن أصل التخلف هو البعد عن الله وليس أصل التخلف هو التخلف المادي.

ثانيا: التوكل شيء والأخذ بالأسباب شيء آخر يختلف عنه، وكلاهما مطلوب تحقيقه شرعا، وترك التوكل فساد في العقيدة وترك الأخذ بالأسباب معصية، والتوكل هو شعور من المشاعر، والأخذ بالأسباب هو عمل بالجوارح، وكلاهما غير موجود عند بعض المسلمين، والمطلوب الأهم هو إيجاد التوكل الذي هو شعور قلبي، والمطلوب الأقل أهمية هو الأخذ بالأسباب.

ـ فينبغي عدم الربط بين العمل للكسب وبين الرزق، فالناس كلهم عاطلين عالة على الله، وما يعملونه للكسب هو مجرد لعب ولهو من ناحية علاقته بالرزق، وهو طاعة من الطاعات من حيث أن تركه معصية.

ـ الإحساس بقيمة الآيات الكونية:

ـ لكي يتحقق الإحساس بقيمة الآيات الكونية لابد من أربعة أمور هي:

1ـ لابد أن تشعر بالمقارنة بين البشر وبين الكون، أو بين البشر وبين الكرة الأرضية، أو بين البشر وبين الشمس مثلا، وهذه المقارنة من حيث الحجم ومن حيث القدرة، فمن حيث الحجم يتبين مدى ضآلة حجم الإنسان بالنسبة إلى حجم الكرة الأرضية أو الشمس أو الكون، ومن حيث القدرة فالشمس تستطيع أن تبتلع الكرة الأرضية بمن عليها من البشر ومثلها مليون مرة، والزلازل والبراكين والعواصف والفيضانات وغيرها تستطيع أن تنسف آلاف البشر في لحظة واحدة، والبشر يعيشون في خطر دائم ومن الممكن أن ينسفوا في لحظة، والبشر جميعا محمولون على كرة تطير بهم في الفضاء وكأن الكرة الأرضية تفعل بهم ما تشاء فهي أعظم في حركتها وسرعتها من قدرة البشر، والإنسان لا يستطيع أن يصنع ماء أو هواء أو جبل ولا يستطيع أن يصنع ذبابة التي أحقر الحشرات، بل إنه لا يستطيع أصلا أن يصل إلى شيء من مليارات الكرات الأرضية (الكواكب) في مليارات المجرات، بل إن النجوم الموجودة في السماء على ضخامتها مجرد زينة، ومليارات الكرات الأرضية موجودة بلا بشر فالإنسان يفتخر بالأرض التي عليها ويظن أنها ملكه فما هي بشيء أمام الكواكب الأخرى: (( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أكبر مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ) [2] .

2ـ ثم تشعر بالمقارنة بين عظمة الكون وعظمة الخالق، فإذا كان الكون عظيما إلى هذه الدرجة فما بالك بعظمة الخالق، فالكون ما هو إلا مخلوق لا حول له ولا قوة، ففي الحديث: (( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ) ) [3] ، وفي حديث آخر: (( ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة ) ) [4] .

3ـ ثم تشعر بالمقارنة بين ضآلة البشر وعظمة الله، فإذا كانت قيمة البشر ضئيلة أمام عظمة الكون، فما بالك بقيمة البشر أمام عظمة الله وقدرته وهيمنته عليه.

4ـ فينشأ عن ذلك الشعور بالخوف والخضوع والحب والرجاء.

(1) تحقيق الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 1424 في صحيح الجامع.

(2) غافر: 57

(3) تحقيق الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 8125 في صحيح الجامع.

(4) التخريج: صحيح (السلسلة الصحيحة ج: 1، ص: 223، برقم: 109)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت