فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 166

بمشاعره في دنيا الأسباب، دون أن تخرج مشاعره عن التعلق بالأسباب، فينبغي أن تكون نظرة الإنسان إلى كل شيء على هذا النحو.

ـ فالأسباب عبارة عن قوانين تسير بها الأشياء فمن الذي وضع هذه القوانين؟، فالله هو الذي خلق القانون الذي يسير به الكون، ففي تفسير الشعراوي: (( فلا تظن أن الكون قائم على قانون يُديره، بل على القيومية القائمة على كل أمر من أمور الكون ) ) [1] ، فالإنسان إما أن يؤمن بالله الذي يخرق الأسباب وإما أن يؤمن بالأسباب فيكون مادي، فإما أن يعبد الله وإما أن يعبد الأسباب.

ـ فالمشكلة أننا نتوقف عند الأسباب ونفسر حدوث كل شيء بالأسباب العلمية ونتجاهل عدم مقدرة الأسباب عن تفسير الأمر، فمثلا خروج النبات من الأرض هو معجزة وأمر خارق للأسباب ولكننا نفسر أي عملية تحدث في النبات لوجود شيء معين هو الذي يؤدي إلى ذلك، وإذا سألنا عن سبب وجود ذلك الشيء نكتشف أن هناك شيء آخر أدى إليه وهكذا حتى نصل إلى أن العلم يعجز عن تفسير ذلك الأمر، هنا نكتشف أن القضية كلها خرق للأسباب وأن هناك قوة خارجية هي التي تصنع ذلك الأمر، والمشكلة أننا لا نترك أنفسنا نصل إلى عجز العلم عن تفسير الأمر ونتفكر في هذه النقطة لكن تفكيرنا يتوقف عند حدود الأسباب العلمية.

ـ وهكذا في أبسط وأوضح آيات الله المنظورة وهي السماء من فوقنا فيها نجوم عالية لا تقع علينا، فتفسير ذلك عندنا هو وجود قوى طرد مركزي مع وجود قوى جذب مثلا، ثم نسأل ما سبب قوى الطرد والجذب هذه فيقولون لوجود أشياء معينة، وما سبب هذه الأشياء المعينة، وهنا يعجز العلم عن تفسير الأمر، فنستنتج أن عدم سقوط النجوم هو إعجاز وأمر خارق للأسباب، وهذا ما يستنتجه الإنسان الفطري بمجرد النظر في السماء بدون معرفة النظريات العلمية، وهكذا ينظر الإنسان الفطري إلى الزرع وكل شيء من الذرة إلى المجرة فيراه إعجاز فهو موجود أو مصنوع بكيفية دقيقة جدا لا يمكن أن تنشأ من داخل ذلك الشيء فلابد من وجود قوة خارجية لها مقدرة هائلة وعلم كبير بحيث تستطيع أن تصنع هذا الشيء.

ـ فمثلا: الإنسان مولود من أمه، وأمه من جدته وهكذا، فلابد أن أول بشر موجود من لا شيء، وهذا أمر لا يقدر عليه أحد إلا من يستطيع أن يخرق الأسباب فهو الخالق، كما أن الأشياء المصنوعة جاءت من خامات، وهذه الخامات من خامات أخرى، فلابد أن هناك خامات أو أشياء بدأت من العدم، وهذا لا يقدر عليه غير الخالق سبحانه، فالإنسان لا يستطيع إيجاد نفسه، والأشياء لا تستطيع إيجاد نفسها.

ـ فالأسباب هي قوانين مخلوقة لا تنفع ولا تضر، فهذه القوانين عند البشر فقط وليست عند الله، فالبشر لا يستطيع أن يلغي الأسباب ولكن الله يستطيع أن يلغي الأسباب لأنه هو الذي خلقها ووضعها.

ـ فمثلا قانون الجاذبية هو الذي يجعلك إذا سقط شيء من يدك أن يقع على الأرض، فهذا القانون مخلوق يلزمك أنت ولكن لا يلزم الله، فالله إذا أراد أن لا يقع على الأرض ما يسقط من يدك لفعل، كما أن قانون الجاذبية لا يستطيع أن يفعل شيء فليس هو الفاعل الحقيقي، ولكن الفاعل هو الله سبحانه، فإذا سقط شيء من يدك فوقع على الأرض فنقول أن سبب ذلك قانون الجاذبية مجازا لكن في الحقيقة الله هو الذي أوقع ما سقط من يدك على الأرض لأن الله هو الذي صمم هذا القانون.

ـ وكذلك فالدواء لا يشفي والشافي هو الله، فالله هو الذي جعل الدواء يؤدي إلى الشفاء لكن الفاعل الحقيقي هو الله سبحانه لأنه هو الذي خلق القانون الذي به يستطيع الدواء أن يؤدي إلى الشفاء، أي أن الله هو الذي خلق الخواص المعينة التي في الدواء، والخواص المعينة الموجودة في الجسم بحيث إذا وضع الدواء نتج الشفاء، والإنسان فقط يكتشف ويعرف ما هو موجود فيستفيد من خواصه وليس يخترع ويبتكر الخواص التي تؤدي الى الشفاء.

ـ بل إن الإيمان والهداية والعمل الصالح هو من توفيق الله ودخول الجنة ليس في مقابل هذه الأمور، ففي تفسير البحر المديد: (( {ما أصابك من حسنة} أي: نعمة {فمن الله} فضلًا وإحسانًا، وأما طاعة العبد فلا تفي بشكر نعمة واحدة، ولذلك قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ:"لن يَدخلَ أحدُكُمُ الجنةَ بعملهِ"، قيل: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال:"ولا أنَا، إلا أن يتَغمدني الله برَحمته" {وما أصابك} أيها الإنسان {من سيئة} أي: بلية {فمن نفسك} أي: شؤم ذنبك، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"مَا مِن خَدشٍ بعُود ولا اختلاج عرق ولا غيره إلا بذنب، وما يَعفوا الله عنه أكثرُ"فلا ينافي قوله: {قل كلٌّ من عند الله} ؛ فإن الكل منه إيجادًا واختراعًا، غير أن الحسنة إحسانٌ، والسيئة مُجَازاة وانتقام. كما قالت عائشة ـ رضي الله عنهاـ:"مَا مِن مُسلمٍ يُصيبه وَصَبٌ ولا نَصَبٌ، حتى الشوكة يُشَاكها، وحتى انقطاع شِسع نَعلهِ، إلا بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر") ) [2] ، لذلك سبق أن ذكرنا أن أصل ما مطلوب من الإنسان لكي يدخل الجنة هو أن يكون حيا، ولن يكون حيا إلا إذا أراد الله له ذلك، لذلك فالأصل أن يدعو الإنسان الله أن يهديه وأن يوفقه للأعمال الصالحات.

(1) تفسير الشعراوي - (/ 2299)

(2) تفسير البحر المديد ـ موافق للمطبوع - (2/ 103)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت