فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 166

النباتات تتحور بشكل يحافظ عليها، فتقوم الكائنات بأعمال فطرية هي لا تعقلها رغم أنها في منتهى العقل والحكمة فلابد أن هناك من علمها ذلك وأن هناك قوة خارجية هي التي تحركها وتعلمها، والأمثلة على ذلك لا حصر لها، وذلك مصداقا لقوله تعالى: (( قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) ) [1] ، كما أن أعضاء الإنسان متناسبة لتمكنه من القيام بوظائفه، والكرة الأرضية متناسبة في البعد عن الشمس بحيث لا تكون جليدا ولا تكون منصهرة من الحرارة حتى تكون متناسبة لمعيشة الإنسان، وهكذا، فكل ذلك يدل على أن كل هذه الأمور موضوعة بحكمة وبقصد وأن هناك من رتب لها ذلك، فكل شيء محسوب بحسابات في منتهى الدقة بحيث لو زادت أو قلت ذرة واحدة لاختل الامر سواء في جسم الانسان او في الاجرام السماوية او في أي شيء فهذا يدل على وجود صانع عليم حكيم خبير.

ـ ولاحظ أن المعلومات السابقة ليس الغرض منها تحقيق المعرفة النظرية ولكن لكي يشعر الإنسان بأنها أعجب من السحر ويشعر بضعف قدرته عن أن تعمل مثل هذه الأشياء وبالتالي يشعر بضعفه واستسلامه للخالق.

مثال (7) :

ـ الإنسان له قدرات وحركة إرادية، لكنه ينام رغما عنه ويموت رغما عنه ويسلب عندئذ السمع والبصر والحركة فمن الذي أجبره على ذلك، إذن هناك من هو أقوى منه، وفي استطاعته سلب صفاته وقدراته، ولا يستطيع أحد من البشر عمل ذلك، إذن هناك أحدا لا نراه هو أقوى من الإنسان وله قدرات أكبر، وبديهي أن يكون هو الذي صنع هذا الجسد وأمده بهذه الصفات فكما وضع هذه الصفات فهو يستطيع نزعها: (( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِل ُالْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنّ َفِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) ) [2] ، (( وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنّ َفِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) ) [3] .

ـ لكن الإنسان ينام ويتجاهل قضية النوم ويتجاهل ما يحدث له ومن يفعل به ذلك وكأنه لا شيء رغم أنه أمر خارق للأسباب.

مثال (8) :

ـ الإبتلاءات تدل على وجود قوة أعلى من الإنسان استطاعت أن تقهره وتغلبه وتسلب منه نعمة من النعم، وهو لم يستطع أن يمنع ذلك ولا يستطيع أن يدافع عن نفسه أو أن ينتقم لنفسه، فيشعر بأنه ضعيف وليس بقوي وأن عليه أن يستسلم لصاحب القوة الذي قدر عليه، ويشعر بالمهابة من عظمة قوة من فعل ذلك، ويزول الغرور عن نفسه.

ـ لذلك فبعض الناس اهتدوا بسبب أنهم رأوا أحدا مات فتأثرت مشاعرهم وأيقنوا بالموت وبأنهم سيموتون وأنهم لا يستطيعون مقاومة الموت ولا الدفاع عن أنفسهم، والذي يستطيع أن يميتهم يستطيع أن يفعل بهم أي شيء لأن الموت هو أشد الضرر فيخضعوا لمن يستطيع أن يتوفاهم: (( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ) ) [4] ، خاصة لو كان الذي مات صديقا حميما وكان شابا صغيرا، فهؤلاء حدث عندهم إحساس بالقيمة وتدبر ووعي لحقيقة الموت، فشعروا بضعفهم وبعظمة الله وبأنهم ملاقوه، وكذلك بعض الناس اهتدوا بسبب أنهم تعرضوا لمحنة فاكتشفوا فيها ضعف أنفسهم واحتياجهم إلى الله وقدرة الله عليهم، فمنهم من استمر شعوره بهذه المحنة التي هي آية تدل على الله فاستمرت هدايته، ومنهم من نسي هذه الآية فترك الهداية بمجرد أن مرت المحنة.

ـ تحقيق الشعور بوجود خالق للأسباب:

ـ عندما تتفكر في أي أمر ينبغي عدم التوقف عند الحدود المادية للأسباب، ونوضح ذلك كالتالي:

ـ عندما تتفكر في أي أمر تجد له مبررات علمية لحدوثه، فتبحث عن سبب هذه المبررات فتجد لها مبررات أخري وهكذا، وعليك أن تستمر في هذا حتى يعجز العلم المادي ويقول هذه لا أجد لها مبررات فتعرف أن هناك قوة خفية خارجية خارقة للأسباب هي التي أحدثت ذلك الأمر، وعندئذ تشعر أن هناك قوة قاهرة تهيمن على كل شيء وتسيطر علي كل شيء سيطرة كاملة وهيمنة كاملة وعلى الجميع الاستسلام والخضوع الكامل للخالق، كما تؤدي إلى شعور بالخوف من هذه القدرة الهائلة الخارقة للأسباب، فالإنسان ينظر إلى الأشياء بعين الأسباب فيجد أن وراء كل سبب سبب آخر، فإذا استمر في النظر اكتشف عجز هذه الأسباب عن تفسير الأمر، وبالتالي فهناك يد خفية وراء هذه الأسباب، فيشعر بالخضوع ِلمَنْ هو مسبب الأسباب: (( ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ) ) [5] ، أما التوقف عند الحدود المادية للأسباب يجعل الإنسان يشعر أن الأسباب هي التي أوجدت وصنعت وخلقت هذه الأمور، وإن كان مقتنعا نظريا أن الخالق هو الذي أوجدها، فيعيش

(1) طه:50

(2) الزمر: 42

(3) الروم: 23

(4) يونس: من الآية 104

(5) الملك: 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت