ـ إذن فهناك من يسأل نفسه لماذا نموت؟ ومن الذي يميتنا؟ ومن الذي أعطانا هذه الروح التي نتحرك بها؟ ولماذا أتينا إلى هذه الدنيا؟، وكيف وجدت هذه الدنيا؟، ويشعر بأنها أسئلة خطيرة ومخيفة، أما غيره فيتجاهل الأمر ويعيش حياته هكذا كما هو، فهذا غبي وجاهل يتناسى حقائق وجوده ويتجاهلها دون أن يتساءل عنها، خاصة إذا كان قد بلغ سنوات كثيرة من عمره من الرقي والترقي الدنيوي والرقي والترقي الديني فيصعب عليه أن ينزل مستويات هائلة حتى مرحلة الطفولة لأن المطلوب أن يسأل نفسه هذه الأسئلة ويعرف الإجابة عليها معرفة حقيقية.
ـ كيف يتحقق الشعور بوجود خالق للأشياء؟:
ـ لو أن رجل يقوم ببناء بيت له وقد أتم بناء الحوائط والسقف ولكن ليس في البيت كهرباء ولا ماء ولا مفروشات، ودخل بيته ذات مره فوجد البيت فيه كهرباء وماء ورأى منضدة كبيرة في الصالة موضوع عليها طعام وشراب ووجد سرير موضوع في حجرة النوم ووجد كرة موضوعة في البيت، فإذا به يأكل من الطعام ويلعب الكرة وينام على السرير دون أن يسأل من أحضر كل هذه الأشياء ومن أدخل الكهرباء والماء إلى المنزل ولم يشعر بأي تعجب أو ذهول أو غرابة وكأن كل شيء عادى، وكل شيء موجود لأنه موجود كما هو، وظل على ذلك سنوات عمره كل يوم إذا دخل بيته يجد الطعام موضوع فيأكل ويلعب وينام، فهذا حال الإنسان الميت الذي ماتت وظائفه.
ـ وإذا كان هذا الرجل حي ورأى ذلك فإنه يفاجئ ويندهش ويشعر بالرهبة من غرابة الأمر ويشعر بالحب لمن أحضر هذا.
ـ إن الله ينبت الزروع من الأرض ليأكل الإنسان كأنها منضدة أعدت ليوضع عليها الطعام للإنسان، والأنهار تحمل المياه العذبة له، والشمس والقمر والنجوم تضيء له نهارا وليلا، والإنسان خرج من بطن أمه وكبر وعاش سنوات عمره كأن كل هذه الأشياء أمور عادية هو الذي وضعها لنفسه كأنه هو الذي جعل الأرض تنبت وصمم نظام السحاب بحيث يتجمع الماء العذب في الأنهار وجعل نظام إضاءة فصنع الشمس والقمر حتى لا يعيش في الظلام!، أو كأن الزرع يخرج من تلقاء نفسه ليفيد الإنسان، وكأن الماء والهواء هو الذي أوجد نفسه ويفيد الإنسان من تلقاء نفسه: (( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ(35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ )) [1] ، ففي تفسير روح المعاني: (( أي إذا سئلوا من خلقكم وخلق السماوات والأرض قالوا: الله وهم غير موقنين بما قالوا إذ لو كانوا موقنين لما أعرضوا عن عبادته تعالى فإن من عرف خالقه وأيقن به امتثل أمره وانقاد له ) ) [2] .
ـ الإحساس بوجود الخالق معناه الإحساس بخرق الأسباب:
ـ الذي يستطيع أن يخرق الأسباب يكون إلها، والذي يكون محكوما بالأسباب يكون عبدا لمن وضع هذه الأسباب، فمثلا سيدنا موسى جاء ليثبت أن الله هو الإله الحق عن طريق أن يثبت أن الله يستطيع خرق الأسباب التي يعهدها البشر فوضع العصا فإذا هي حية حقيقية، فكل شيء لا يستطيعه الإنسان أو الكائنات الأخرى يدل على وجود قوة خارجية لها قدرة أعظم من الإنسان تستطيع عمل ذلك، فذلك يدل على الله سبحانه، فالإنسان لا يستطيع إيجاد التراب ولا الماء ولا نفسه، إذن فالذي أوجد التراب والماء والبشر هو إله له قدرة خارقة للأسباب، فقدرته فوق قدرة البشر، وكذلك الإنسان يحدث في داخله أمور أكبر من مستوى علمه وأكبر من مستوى قدرته وتتم عن غير إرادته، وكذلك خلق الكون أكبر من مستوى قدرة الإنسان، والدقة المتناهية في كل شيء أكبر من مستوى علم الإنسان، فيشعر بأن هناك قوة خارجية مهيمنة هي التي تسيطر على كل شيء وهي التي تفعل كل هذه الأمور.
ـ مسألة خرق الأسباب أشد من السحر لأن السحر خيال وليس خرق للأسباب، فإذا كان الإنسان عندما يرى السحر أمام عينه فإنه يشعر بالتحير والانزعاج والدهشة والتعجب والاستغراب والانبهار والذهول والدهشة من روعة ما يرى، فإن ذلك يكون أشد إذا كان هذا السحر حقيقة.
ـ فالإله هو الذي تشعر له بهذه المشاعر، أي أن التأله معناه التحير والانزعاج والدهشة والتعجب والانبهار والذهول والاستغراب والدهشة من روعة ما يرى، وهذه المشاعر هي الحالة النفسية المميزة للشعور بخرق الأسباب فإذا لم تكن هذه المشاعر موجودة فهذا يعني عدم وجود الشعور بخرق الأسباب وبالتالي عدم الشعور بالغيبيات وبالتالي عدم وجود الإيمان الحقيقي بالغيبيات، فالإنسان إذا رأى أمرا خارقا للأسباب ولم يتحير ويتعجب دل ذلك على أن لا عقل له وكأنه ليس بإنسان وكأنه ميت لأنه يخالف صفات البشر، وكل شيء حول الإنسان هو أمر خارق للأسباب لأن وجوده فوق قدرة البشر، بل إن وجود الإنسان نفسه لا يستطيعه البشر فهو أمر خارق للأسباب، ومع ذلك يعيش كأنه لا شيء: (( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ(35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ )) [3] .
(1) الطور: 35 - 37
(2) روح المعاني - (27/ 38)
(3) الطور: 35، 36