فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 166

ـ كل شيء له قدر، فالله له قدر، والآخرة لها قدر، والدنيا لها قدر، والإنسان له قدر، فقدر الله عظيم، وقدر الآخرة عظيم، وقدر الدنيا ضئيل، وقدر الإنسان ضئيل، إذن غياب الإحساس بقدر الله هو غياب الإحساس بقدر عظمة الله وقدرته، وغياب الإحساس بقدر عظمة الآخرة وخطورتها، وغياب الإحساس بقدر ضآلة الدنيا وغياب الإحساس بقدر ضعف الإنسان.

ـ وغياب الإحساس بقيمة الشيء ليست عدم المعرفة بالقيمة، فغياب الإحساس بالقيمة ليس مسألة معرفية علمية ولكن مسألة شعورية، ولذلك فوجود الإحساس بالقيمة أو غيابه لا يعلمه إلا الله، والإنسان فقط يعرف على سبيل الاحتمال هل عنده غياب الإحساس بالقيمة أم لا؟.

ـ ومن أثر غياب الإحساس بالقيمة لحقيقة الدنيا أن تكون نظرة الإنسان للمال وأصحاب الثروات نظرة إنبهار وإعجاب وتعظيم وتقدير لعظيم قيمته، وكذلك نظرته إلى حجم المتعة من شهوة النساء أو النظر إلى العورات، وهكذا، في حين نظرته إلى قدر الله مثل نظرته إلى أي شيء لا ينفع ولا يضر فلا يلفت ذلك نظره أصلا ولا يستشعر في ذلك أثر أو أهمية، وكذلك نظرته إلى الآخرة تكون مثل نظرته إلى الحواديت وهكذا، وكل هذا يختلف عن الاقتناع النظري واليقين النظري التام بعظمة الله وضآلة الدنيا وخطورة الآخرة.

ـ الإحساس بالقيمة للدنيا وللغيبيات معناه خوف المهابة:

ـ الدنيا لا قيمة لها ولكنها مزينة بغطاء خادع فتبدو في منتهى الأهمية وذات قيمة عظيمة جدا، والغيبيات عكس ذلك، فهي أمور لا نراها وهي من أخطر ما يمكن، فالإنسان الذي ليس لديه إحساس بقيمة وحقيقة الأشياء يكون مخدوعا جدا بالدنيا ولا يرى آخرة ذات قيمة، فهذا الإنسان كالسكران أو الميت، وهذا الإنسان إذا تفكر بحضور قلب اكتشف المفاجئة المذهلة حيث يتحقق عنده الإحساس بالقيمة.

ـ والإحساس بالقيمة عنده هو خوف المهابة من اكتشاف المفاجئة المذهلة، فيحدث ذلك عند اللحظة التي ينتقل فيها الإنسان الغائب عن الوعي إلى الوعي واليقظة فيفيق، أو اللحظة التي ينتقل فيها الإنسان النائم إلى اليقظة والصحو، فإذا كان الإنسان غافلا عن أمر ما يتعامل معه كأنه معدوم القيمة ثم ينتبه فيكتشف مفاجأة مذهلة ينزعج لها قلبه فيكتشف أنه أمر غاية في الخطورة والأهمية، أو العكس، أي إذا كان غافلا عن أمر ما يتعامل معه كأنه ذو قيمة كبيرة ثم ينتبه فيكتشف مفاجئة مذهلة ينزعج لها قلبه فيكتشف أنه أمر تافه بسيط، وفي الحالتين يكتشف أنه كان مغفلا مخدوعا في منتهى الغفلة، فمثلا إذا لم يحدث للإنسان في حياته الدنيوية إحساس بالقيمة لخطورة الآخرة فإنه يوم القيامة يكتشف أنه كان مغفلا ويشعر بقيمة الآخرة ولكن بعد فوات الأوان: (( لَقَدْ كنت في غفلة من هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ) [1] ، فالناس في غفلة فإذا ماتوا انتبهوا.

ـ فالإحساس بالقيمة للدنيا وللغيبيات معناه أن الإنسان يكتشف أمور مذهلة ويكتشف أنه كان أعمى لا يرى شيئا وكان بلا عقل لما يرى من الحقائق المذهلة، فقد كان نائما والجيش مقبل عليه ليقتله ثم أفاق والجيش يدهمه، ففي الحديث: (( مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبته طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق ) ) [2] .

ـ فالإحساس بالقيمة للدنيا وللغيبيات هو شعور بالتحير والانزعاج والدهشة والتعجب والاستغراب من روعة الانبهار والذهول والدهشة من مدى عظمة الخالق وصفاته الخارقة للأسباب ومن عجائب وغرائب الآخرة ووجود هذه الحياة التي هي فوق مستوى الخيال ومن مدى ضآلة الدنيا وضعف الإنسان.

ـ والإحساس بالقيمة للدنيا وللغيبيات يقترب من مفهوم (اليقظة) التي عرفها ابن القيم بأنها انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين [3] ، فمثلا مجرد المعرفة النظرية بالآخرة لا يكفى، ولكن عندما ينتبه إلى مدى خطورة الآخرة في أنها مصيره وحياته وأنه راحل إليها فيحدث له انزعاج ودهشة وعجب وغرابة من روعة ما عرف فكأنه أفاق ويكتشف أنه كان فاقد الوعى عن خطر الآخرة، ويكتشف أنه كان في غفلة من هذا فيفيق من رقدة الغافلين ويستيقظ من نومه، ولذلك ففي الحديث: (( ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها ) ) [4] ، وهذا النائم يحتاج إلى اليقظة والإحساس بالقيمة لمدى خطورة الآخرة وألم النار ولذة الجنة وقدر الله ليفيق.

ـ وظائف الإنسان:

(1) قّ: 22

(2) تحقيق الألباني: (صحيح) انظر حديث رقم: 5860 في صحيح الجامع.

(3) مدارج السالكين - (1/ 123)

(4) حديث حسن (صحيح الترغيب والترهيب برقم 3662)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت