فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 166

ينساهما أو لا يؤثر ذلك في مشاعره شيئا، إن معك رقيب وعتيد ليسوا من البشر ولكن من خلق آخر هائل الخلقة لا تراهما، ألا يدعوا ذلك إلى أي شيء من الإحساس أو الشعور بالقلق، إنك إذا كنت لا تري الملائكة بعينك فهذا لا يعني ألا تشعر بوجودهم حولك، لأنك إذا لم تشعر بوجود الملائكة فإن الملائكة لا وجود لها في مشاعرك، إن هناك فرق بين معرفة الشيء بالحواس وبين معرفة الشيء بالمشاعر، فإن رؤية الملائكة لا يستطيعه أحد لوجود موانع، أما الإحساس بوجود الملائكة فلابد من وجوده، فإن عدم رؤية الشيء لا يعني عدم وجوده، ولكن قد تكون هناك موانع تحول من الرؤية، فلو أراد الله أن تزول الموانع من رؤية الملائكة لرأي الناس كلهم الملائكة وهي تسير حولنا ومعنا في الطرقات الآن، وعلي المرء أن يتصور ويشعر بأن هذه الموانع غير موجودة فيشعر أنه يري الملائكة، وبغير هذه المعرفة الحقيقية لا تستطيع أن تشعر أن الملائكة موجودة وتراك وتسمعك ولا تستطيع أن تشعر بصفات الملائكة وخلقتهم الهائلة، فإنك عندما تسير في الطريق لماذا لا تشعر أنهما يسيران معك؟ أليس هذا حق؟، فبماذا تشعر تجاه الملائكة وهي تراك الآن وأنت لا تراها؟، إن هذا تصور بسيط جدا، وهذا واقع الآن وليس من الغيبيات المستقبلية، ولكنك تجد هذا الكلام مستغربا رغم أنه الواقع، وإذا لم تشعر بالملائكة الموجودة الآن معك فكيف تشعر بما هو أبعد من ذلك بالآخرة التي لم تقع بعد والتي هي أعجب وأغرب وأخطر.

ـ إذن هناك فرق بين الاقتناع بوجود الملائكة والإحساس بوجودها معنا، فغياب الإحساس بوجود الملائكة يعني غياب الإحساس بوجود كائنات لا نراها وبعضها لها صلة بنا في عالم الشهادة، وبالتالي لابد من وجود نفس الشعور الذي يشعر به إنسان يحس أن حوله كائنات لا يراها لأن وجودها وجود حقيقي وليس وجود مجازي، وكما أننا لا نرى الملائكة فنحن أيضا لا نسمعها ففي الحديث: (( ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان إنهما يُسْمِعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا غربت شمس قط إلا وبعث بجنبتيها ملكان يناديان: اللهم عجل لمنفق خلفا وعجل لممسك تلفا ) ) [1] .

ـ وإذا كانت الملائكة التي لا نراها أمر يثير المشاعر خوفا وحبا، فما بالك بمن لا نراه وهو خالقها وأعظم منها في القدر والقدرات وهي مخلوقات من ملكه وعبيده!!.

ـ أيهما أصعب الإحساس بوجود الملائكة وهي حولك، أم الإحساس بوجود الله؟، طبعا الإحساس بوجود الله أصعب، وذلك لأن الملائكة كائنات مخلوقة يمكن تصور شكلها في الذهن بأي شكل رهيب أو مرعب لضخامة حجمها وقوتها، كما أنها تعيش معنا وترافقنا فيكون الإحساس بوجودها أسهل، أما الله سبحانه فليس كمثله شيء سبحانه، فإذا لم تكن تشعر بوجود الملائكة وهي حولك، فهذا يعني أنك لا تشعر بوجود الله، كما أن الإحساس بمراقبة الملكين لك، أسهل من الإحساس بمراقبة الله لك، فإذا لم تكن تشعر بمراقبة الملكين لك، فهذا يعني أنك لا تشعر بمراقبة الله لك.

ـ تصور لو قيل أن القيامة تقوم الآن أو هذه الليلة، وتخيل حالة الرعب والفزع والاستعداد السريع والتأهب، وتصور لو قيل لك أنك ستموت الآن أو الليلة، وتخيل الشعور بفراق كل شيء في الدنيا والشعور بالفزع والرعب، وتصور لو رأى الناس الملائكة عيانا لتكدرت حياتهم ولتركوا متع النساء ولخرجوا إلى الصعدات يجأرون إلى الله ففي الحديث: (( إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ) ) [2] ، هنا تعرف حجم الفارق الكبير بين مجرد اليقين النظري بوجود الملائكة معنا واليقين الحقيقي بذلك.

ـ وقد جاء في تفسير القرطبي: (( ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر قال ابن عباس لو رأوا الملك على صورته لماتوا إذ لا يطيقون رؤيته ) ) [3] ، وفي تفسير الثعالبي: (( لماتوا من هول رؤية الملك في صورته ) ) [4] ، وفي تفسير روح المعاني: (( ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر أي أمر هلاكهم لعدم قدرتهم على تحمل مشاهدته ) ) [5] .

ـ إنك مهما حاولت التغافل والهروب عن هذه الحقيقة فأنت مراقب شعرت بذلك أم لم تشعر، فيجب عليك أن توقن بذلك يقينا حقيقيا، فالقضية خطيرة ولكننا في غفلة، فالإحساس بالمراقبة مرتبط ارتباط تام بالإحساس بوجود الله والملائكة، فإذا لم يكن الإحساس بالمراقبة موجودا فهذا يعنى أن الإنسان لا يشعر بوجود الله أو وجود الملائكة أصلا، والشعور بالمراقبة يعني الشعور كأن هناك كاميرات مراقبة في كل مكان في بيتك وفي الشارع تسجل كل شيء عنك، فهذا يؤدي إلى الخوف الشديد من مهابة الأمر وخطورته.

(1) حديث صحيح: (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم 3167)

(2) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 4، ص: 556، برقم 2312)

(3) تفسير القرطبي - (ج: 6، ص: 393)

(4) تفسير الثعالبي: (ج: 1، ص: 507)

(5) تفسير روح المعاني: (ج: 7، ص: 107)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت