ـ الخضوع أربعة أنواع هي الخضوع خوفا من مهابة الله والخضوع حبا لله والخضوع خوفا من العقاب والخضوع رجاءا في الثواب.
ـ الإنسان لا يريد أن يخضع وبالتالي يعطل الإحساس بالقيمة حتى لا يتحقق الخضوع:
ـ أصل الدين أن هناك رب وعبد، أي أن هناك ضعيف وقوي، فإذا شعر الإنسان بأنه ضعيف والله قوي تحققت مشاعر الإيمان كلها بالضرورة وتحقق الخضوع، فبمجرد أن يشعر الإنسان بأنه ضعيف مقهور والله قوي مسيطر عليه فإنه يشعر بخوف المهابة من الله والحب والإعجاب بمدى قدرة الله والرجاء في ثوابه والخوف من عقابه والخضوع من خوف مهابته والخضوع حبا لينال العزة به والخضوع خوفا من عقابه ورجاءا في ثوابه.
ـ ولكن الإنسان لا يريد أن يخضع فيلجأ إلى تعطيل الإحساس بالقيمة حتى لا يشعر بأنه ضعيف والله قوي وبالتالي لا تتحقق مشاعر الإيمان والخضوع لله تعالى.
ـ وتعطيل الإحساس بالقيمة يتم عن طريق أن لا يتفكر ويتدبر بحضور قلب ماذا يعني الخالق وماذا يعني المخلوق؟، وهذا معناه تعطيل الوظائف الطبيعية للإنسان بتعطيل الإحساس بقيمة ومعنى ما يرى وما يسمع للأشياء من حوله فيصبح الإنسان ميتا، لذلك فهو يتلهى بأمور الدنيا حتى لا يتدبر أو يتفكر بحضور قلب لأنه إذا تدبر وشعر بحقيقة الأمر شعر بأن الخالق معناه القوي المسيطر وبأن المخلوق معناه الضعيف المقهور وبالتالي يخضع وهو لا يريد أن يخضع.
ـ وعندما يغيب الإحساس بالقيمة يصبح الإنسان معاندا لا يستخدم عقله وإنما يصر على أمر يهواه من غير أن يفكر في حقيقته، والدنيا لها تزيين خادع يخدع من لم يستخدم عقله لمعرفة حقيقتها، والمعاند هو شخص لا يعلم مصلحته وما ينفعها وما يضرها: (( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) ) [1] .
ـ ويتحايل الإنسان لإخفاء الاستكبار بالتغافل والتهرب من هذا الكفر لأنه بغير دليل، والتغافل يجعله كأنه لا يؤمن ولا يكفر بالأمر وكأنه لا يصدقه ولا يكذبه فهو يتجاهل الأمر ويتغافل عنه كأنه لم يسمع عنه.
ـ ولمزيد من الإيضاح نوضح الأمر كالتالي:
ـ الرسل جاءت لتدعو الناس بأنه لا إله إلا الله، ومن معاني"لا إله إلا الله"أن كل صفات القوة والعظمة والكمال هي لله، وكل صفات الضعف والنقص هي للإنسان، وأن الإنسان خاضع لسيطرة الله عليه وهيمنته عليه، وأن كل ما عند الإنسان من قوة وصحة وممتلكات وشهوات يتمتع بها وأولاد وكل شيء ليست ملكه ولا تخصه وإنما هي ملك لله الذي يملك كل شيء حتى الإنسان نفسه، وأن على الإنسان أن يذل ويسجد ويركع ويعيش عيشة الذليل المستسلم لله، وأن هذه الحياة بكل ما فيها من شهوات مؤقتة وضئيلة جدا وفانية لأن هناك حياة أخرى أبدية، وذلك مع الحجج والأدلة الواضحة على ذلك وأولها إعجاز القرآن.
ـ إن الضعيف يخاف من القوى ويخضع له، ويشعر باستكانة وأنه مغلوب على أمره (شعور بالخضوع) ، فالقوى له السيادة والسلطة والسيطرة والأمر والنهي، والضعيف مغلوب على أمره مستكين ضعيف مقهور، فهذا حال الخادم الذي هو سلعة تباع وتشترى في سوق العبيد ويعيش تحت أمر سيده الذي اشتراه، فكذلك الحال مع الله تعالى، فالله المتكبر والإنسان الذليل.
ـ إذا اعترف أمام نفسه أنه ليس ملكا لنفسه وأنه جزء من ممتلكات الله فهو مملوكا وليس متحررا فهذا يؤدي به إلى مشاعر الإيمان.
ـ وسبب عدم الشعور بالخضوع لله أن الإنسان لا يشعر بضعف نفسه واستسلامه: (( وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) ) [2] ، فمجرد أن يعرف الإنسان أن له خالق فهذا معناه أنه ضعيف لأنه مخلوق، وأن الله هو القوى لأنه الخالق.
ـ وسبب أن الإنسان لا يريد أن يخضع هو أن الإنسان له إرادة وقوة وروح وعنده حكمة، فلا يريد أن يٌخضع إرادته إلى إرادة الله، فهو مغرور بعقله (( فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) ) [3] ، فهو مغرور كأنه هو الذي أوجد هذه الأمور في نفسه فلابد أن يركع العقل والقلب، وكذلك فالنفس فيها الكبر عن أن أحدا غيرها هو الذي يقوم علي أمرها ورعايتها كأنها قاصرة أو عاجزة، فالنفس تريد أن يكون لها سلطة وزعامة وأن تكون هي التي تدير نفسها.
(1) الحشر: 19
(2) فصلت: من الآية 15
(3) غافر: من الآية 83