ـ نحن نعيش في هروب وتجاهل للموت وهروب وتجاهل للآخرة وهروب وتجاهل وتغافل عن الله، وهذا الهروب وهذا التجاهل والتغافل لن يغير من حقائق الأمور شيء فالخطر قائم ونحن مقبلون عليه رضينا أم أبينا والأمر خطير وعظيم: (( قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ) ) [1] ، إنك مهما حاولت التغافل والهروب عن الحقيقة والمصير القادم، فإنها أيام قصيرة وغدا اللقاء رضيت أم لم ترضي شعرت بذلك أم لم تشعر وقد سبقك الكثير إلى هناك، فكل الناس سوف يذهبون إلى الآخرة، فإذا لم يعجبك الأمر فامتنع عن الذهاب إلى الآخرة إن استطعت!، فيجب عليك أن توقن بالآخرة يقينا حقيقيا، فالقضية حاسمة وخطيرة ولا تحتمل التراخي ولكننا في غفلة، وغدا تنتهي الحياة فماذا أنت صانع؟!.
ـ وفي أحد الخطب لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب حذر الناس من التغافل عن الآخرة: (( أما بعدُ فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمع ويرى. فقد طال إعراضُكم عن النبأ العظيم تغافلا وجهلا، وكثر اشتغالكم بالعَرض الخسيس الأدنى ) ) [2] .
ـ نحن نعيش في غيبوبة مثل السُّكْرْان الذي لا يدري ما الذي ينتظره، ففي تفسير زاد المسير: (( ... {إِنهم لفي سكرتهم يعمهون} ، وفي المراد بهذه السكرة قولان: أحدهما: أنها بمعنى الضلالة، قاله قتادة، والثاني: بمعنى الغفلة، قاله الأعمش ) ) [3] ، وفي تفسير فتح القدير: (( ومعنى {إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} : لفي غوايتهم يتحيرون، جعل الغواية، لكونها تذهب بعقل صاحبها كما تذهب به الخمر سكرة ) ) [4] ، وفي تفسير التحرير والتنوير: (((لاهية قلوبهم) حال من المبتدأ في جملة (وهم يلعبون) وهي احتراس لجملة (استمعوه) أي استماعا لا وعي معه )) [5] .
ـ فنحن مقبلون على خطر عظيم وحدث هام جدا، والعد التنازلي مستمر الآن، ويوشك أن نلحق بالآخرة، لكننا لا نشعر بذلك، ونظن أن الأيام طويلة والعمر مديد، وإذا كان هناك أحد عنده شيء من الشعور بالآخرة فتكون درجة إفاقته لا تتناسب أبدا مع خطورة الحدث.
ـ المسلم لا ينكر وجود الآخرة، لكنه قد يتجاهل ما بها من ألم وخطر وأهمية فتصبح كأنها لا قيمة لها، فهي عندئذ غير موجودة في شعوره، وهو بذلك قد أفرغ الكلمة من محتواها، مثل الطفل الذي في يده أسد مصنوع من البلاستيك فهو يلعب به رغم أنه يوقن تماما أنه أسد لكنه مسلوب القوة، وكل إنسان حر له أن يفعل ما يشاء، فإما أن يتجاهل الآخرة وذلك بتجاهل ما بها من ألم، وإما أن يعترف بذلك في نفسه فيشعر بما في الآخرة من ألم وخطر، ولكن تجاهل الإنسان للآخرة وألمها لن يغير من حقائق الأمور شيء، فالآخرة قادمة وشيكة والألم شديد والموت قادم، فهو عندئذ مثل النعامة التي تضع رأسها في التراب حتى لا يراها الأعداء، أي كأنها تقول لنفسها أنه طالما أنها لا ترى الأعداء إذن فهم غير موجودون ولا أحد يطاردها!.
ـ لا يصح اليقين بالآخرة بغير وجود خوف حقيقي من الآخرة، لأن عدم الخوف من الآخرة دليل غياب الإحساس بالآخرة والطبع على القلب بدليل ما جاء في تفسير ابن كثير: (( وقوله {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} أي: إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه، فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده، اتبعك فأفلح وأنجح ) ) [6] ، وفي تفسير زاد المسير: (( {إنما أنت منذر من يخشاها} وقرأ أبو جعفر «منذر ٌ» بالتنوين، ومعنى الكلام: إنما أنت مُخَوِّفٌ من يخافها، والمعنى: إنما ينفع إنذارك من يخافها ) ) [7] .
ـ الآخرة هي الحقيقة الكبرى المرعبة: (( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) ) [8] ، وقد سبقنا إليها الكثير والدور علينا، ورغم ذلك فإن مشاعر الناس تجاه الآخرة وأمور الدين فاترة باردة، في حين تتفاعل مشاعرهم وانفعالاتهم تجاه أمور الدنيا الفانية، فالآخرة أمر جاد جدا وخطير جدا ولا يحتمل التراخي، ونحن نتعامل معه بلا مبالاة وفتور شديد بغير جدية وإدراك لخطورته، هذا معناه أن هناك غفلة تامة عن الخطر العظيم الذي نحن مقبلون عليه، إن الآخرة هي خطر عظيم جدا نحن مقبلون عليه حتما بعد وقت ضئيل جدا يمر سريعا دون أن ندري، إن الرسول (ص) جاء إلى الناس لينذرهم ويحذرهم، ويمكن تشبيه ذلك بأن الرسول (ص) جاء إلى الناس ليحذرهم من أن هناك خطر عظيم سوف يجتاحهم، هذا الخطر هو جيش جرار جاء ليقضي عليهم، فكان طائفة منهم عندهم لا مبالاة ولم يتأثروا ولم ينتبهوا لخطورة الأمر ولم يشعروا بالخوف والرعب، ومن أثر ذلك أنهم لم يتحركوا من مكانهم ولم يهربوا وكأن شيئا لم يكن وكأنهم لم يسمعوا وكأنهم كالحائط الذي لا يحس، وبقوا مكانهم منشغلين بحياتهم
(1) صّ: 67، 68
(2) موسوعة مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب - (ج 14 / ص 7)
(3) تفسير زاد المسير - (ج 4 / ص 69)
(4) فتح القدير - (ج 4 / ص 189)
(5) التحرير والتنوير: [جزء 1 - صفحة 2691]
(6) تفسير ابن كثير - (ج 8 / ص 318)
(7) زاد المسير - (ج 6 / ص 121)
(8) الحج: 2