إن معالجة موضوع الفساد من خلال تحرير التجارة يشكل نقطة ذات تفرعات عديدة ولكون الموضوع يرتبط بالاقتصاد والاقتصاديين أكثر من ارتباطه بالسياسة (إلا أنه في عالم اليوم وضمن طروحات(العولمة) يشغل اهتمام الكثيرين من المختصين في العلوم الاجتماعية)، لذا سنحاول التركيز على بعض النقاط التي نستقرئ من خلالها بروز آلية الفساد ضمن الموضوع ولكن قبلًا علينا توضيح معنى تحرير التجارة.
إنها تعني: (إنهاء القيود التي تحد من حركة التجارة بين الدول وتوسيع الإطار الجغرافي للأسواق، لتنتقل تلك الأسواق في حركتها من الإطار المحلي أو الإطار الإقليمي ثم الإطار العالمي، متخطية بذلك الحدود والموانع والقيود والأنظمة الحمائية الموضوعة، التي تقف في وجه تدفقات التجارة وحركة رؤوس الأموال مستفيدة من التطور التقاني الكبير الذي يسهل الحركة ويستهدف في النهاية تحويل العالم إلى سوق واحدة دولية) .
ويذكر أن تحرير التجارة برز في خطين متوازيين ولكنهما متكاملان هما:-
الخط الأول: -هو التحرير الجماعي للتجارة الدولية في إطار الاتفاقيات العامة ومن أبرزها اتفاق (الجات GATT) .
الخط الثاني: -تحرير التجارة الدولية في إطار ثنائي وإقليمي ويتمثل ذلك في اتفاقيات التكامل الاقتصادي بين الدول المتطورة والدول النامية [1] أو بين الدول النامية ذاتها ولعل ما يفيدنا في موضوع بحثنا هو تناول الخط الأول وخصوصًا اتفاق
(1) - (الجات) شهدت سبع دورات متعاقبة للمفاوضات التجارية من أهمها (دورة كنيدي) في أوائل ستينيات القرن المنصرم التي خفضت الرسوم الكمركية بما يعادل (50%) مما كانت عليه عام 1960 ثم بعدها (دورة طوكيو) خلال أواخر السبعينيات من القرن ذاته التي خفضت الرسوم بمثل (30%) مما كانت عليه عام 1974، وكانت نتيجة الدورات المتعاقبة أن أصبح متوسط الرسوم الكمركية المطبقة حاليًا في الدول المتقدمة أقل من (10%) قياسًا على ما يزيد عن (40%) في بداية القرن.