إن الحوادث والمستجدات في حياة الإنسان غير متناهية، ولكنها تتطلب فقها مرنا، يستوعبها باجتهاد مقاصدي معتبر، وينفتح عليها بعقل استقرائي وتعليلي، يجمع بين قراءة النصوص الشرعية واستنباط مقاصدها، لجلب المصالح ودرء المفاسد، وهو المراد من الشريعة.
فالمقاصد الشرعية الإسلامية هي المقاصد الربانية المنزلة على العباد المكلفين رحمة وهداية، دينا ودنيا، وهي تمثل ثوابت الإسلام، ومراميه، وأسسه العقدية، وأركانه التشريعية، ولذلك فهي تمثل عنصر الثبات والوحدة والانسجام كحركة الفكر الإسلامي في مختلف قضاياه وجوانبه.
ومن خلال ما تقدم من حديث حول المقاصد، يتبين لنا مقدرتها الرحبة، ومرونتها الواسعة، لاستيعاب المستجدات المعاصرة لكل زمان ومكان، بما تتضمنه من أصول متسعة، تضمن علاقة المكلف جهدا، وعلاقة الشارع تيسيرا، من خلال جلب المصالح بدء ودرء المفاسد ختما.
وعلى هذا الأساس يمكننا أن نعالج قضية حماية المستهلك وفق رؤية مقاصدية شاملة، من خلال فهم واستيعاب المقاصد الشرعية التي تروم إليها الشريعة الإسلامية من وراء حماية المستهلك، والعمل على حفظ حقوقه الأساسية.
لقد اهتمت الشريعة الإسلامية بموضوع الاستهلاك اهتماما شموليا، وقصدت من وراء حماية المستهلك إلى تحقيق مقاصد سامية، تتجاوز كثيرا البعد المادي المرتبط بإشباع الحاجات المادية للمستهلكين.
فهذه المقاصد - من هذا المنظور الإسلامي الشامل - تعتبر الإطار المذهبي الذي يوجه سلوك المسلم، استثمارا كان أو استهلاكا، ويربطه بالمنظومة الدينية، فتكتسي أفعاله وتصرفاته