فالله عز وجل يعاتب الناس بانشغالهم بحب الدنيا والاستمتاع المبالغ فيه لنعيمها، وزهرتها الفانية، عن طلب الآخرة وابتغاؤها، حتى يفاجئهم الموت وهم على ذلك، منغمسون في شهوات الدنيا وملذاتها.
إن النفس البشرية لا تكف عن الطلب والتمني، فحاجاتها لا تنقضي، ورغباتها لا تنتهي، وهذا ما دل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم حينما قال:"لو كان لابن آدم واديان من مال، لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب" [1] .
إن الإنسان ذو رغبة استهلاكية جامحة، فكلما حصل على الشيء، رغب في غيره، وهكذا دواليك ولكن حاجات المستهلك ليست مرتبة في مرتبة واحدة، وإنما تنقسم من حيث أهميتها وأولويتها إلى ثلاثة أقسام رئيسة: ضرورية، وحاجية، وتحسينية.
عرفت الضروريات بتعريفات كثيرة، ولكن أقدمها وأجودها تعريف الإمام الشاطبي رحمه الله، فعرفها بقوله:"هي: ما لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين" [2] .
(1) - وأخرجه البخاري في صحيحه: كتاب رقم: 81: الرقاق: باب رقم:10: ما يتقى من فتنة المال: رقم الحديث: 6436: 4/ 1145.و أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب رقم:12: الزكاة: باب رقم: 39: لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثا، رقم الحديث: 2431: 2/ 362. و اخرجه الترمذي في سننه: كتاب رقم:34: الزهد: باب رقم:27:ما جاء لو كان لابن ادم واديان ... رقمه:2337: 4/ 569.
(2) -"الموافقات"للشاطبي: 2/ 4.