فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 79

وكيف تحمل تبعات رأيها وتصرفها، فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ، والخسائر لا تهم إذا كانت الحصيلة هي إنشاء الأمة المدربة، المدركة، المقدرة للتبعة.

إن وقوع تلك الأحداث، ووجود تلك الملابسات لم يلغ هذا الحق، لأن الله -سبحانه وتعالى- يعلم أنه لا بد من مزاولته في أخطر الشئون، ومهما تكن النتائج، ومهما تكن الخسائر، فهذه كلها جزئيات، لا تقوم أمام إنشاء الأمة الراشدة، المدربة بالفعل على الحياة، المدركة لتبعات الرأي والعمل، الواعية لنتائج الرأي والعمل، ومن هنا جاء هذا الأمر الإلهي في هذا الوقت بالذات (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [1] [سورة آل عمران، الآية: 159] .

إن حقيقة الشورى هي تقليب أوجه الرأي، واختيار اتجاه من الاتجاهات المعروضة، فإذا انتهى الأمر إلى هذا الحد انتهى دور الشورى، وجاء دور التنفيذ، التنفيذ في عزم وحسم، وفي توكل على الله [2] .

* * وبعد: فقد أطلت في تفسير هذه الآية، لأنها أصل في تشريع الشورى، وما بعدها من آيات يدور حول معناها، وإن كان لكل آية مدلوها الذي تتميز به عن غيرها.

الموضع الثاني: قوله تعالى"والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة"

قال -تعالى- في سورة الشورى: مبينا بعض صفات المؤمنين، ومثنيا عليهم في ذلك: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [3] [سورة الشورى، الآية: 38] .

* قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [4] [سورة الشورى، الآية: 38] وإذا حزبهم أمر تشاوروا فيما بينهم.

* قال ابن زيد: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ) [5] الأنصار (وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) [6] وليس فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [7] ليس فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا [8] .

* وقال القرطبي: كان الأنصار قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أمرا تشاوروا فيه، ثم عملوا عليه، فمدحهم الله -تعالى- به [9] .

* وقال: ابن كثير: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [10] [سورة الشورى، الآية: 38] أي لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها، كما قال -تبارك وتعالى-: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [11] [سورة آل عمران، الآية: 159.] ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها؛ ليطيب بذلك قلوبهم، وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب رضي الله عنه الوفاة حين طعن، جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر [12] .

* وقال القاسمي: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [13] [سورة الشورى، الآية: 38] أي لا ينفردون برأي حتى يتشاوروا ويجتمعوا عليه، وذلك من فرط تدبيرهم، وتيقظهم، وصدق تآخيهم في إيمانهم، وتحابهم في الله -تعالى- [14] .

(1) - سورة آل عمران آية: 159.

(2) - انظر: في ظلال القرآن 1/ 501.

(3) - سورة الشورى آية: 38.

(4) - سورة الشورى آية: 38.

(5) - سورة الشورى آية: 38.

(6) - سورة الشورى آية: 38.

(7) - سورة الشورى آية: 38.

(8) - تفسير الطبري 25/ 37.

(9) - انظر: تفسير القرطبي 16/ 36.

(10) - سورة الشورى آية: 38.

(11) - سورة آل عمران آية: 159.

(12) - انظر: تفسير ابن كثير 4/ 118.

(13) - سورة الشورى آية: 38.

(14) - انظر: تفسير القاسمي 14/ 249.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت