وهو يؤدي إلى أصالة الرأي، وهو من النضج والاستواء، وذلك عاصم -بإذن الله- من الوقوع في الخطأ، والتصرف غير المحمود، قال الشاعر: [1]
أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
** ومن خلال ما سبق يتضح لنا ما للشورى من ثمار وآثار إيجابية، فهي مفتاح كل خير، ومغلاق كل شر إذا تمت ممارستها وفق الضوابط الشرعية، والأصول المرعية، ولو لم يكن فيها إلا أنها تسد بابا من أبواب الإشاعة المؤذية، والاتهامات الباطلة، والفتنة المرجفه، لو لم يكن لها إلا ذاك لكفى بها خيرا، ولعز مطلبها وفاز طالبها، ورخص -مهما غلا- ثمنها، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
الكبر وحب السيطرة
لماذا يعزف كثير من الناس عن الاستشارة، ويستأثرون بالأمر وحدهم دون مشاورة من حولهم، وتجد أن أغلب قراراتهم -إن لم تكن كلها- تتسم بالفردية؟ إن هناك أكثر من سبب لهذا الأمر، وقد يجتمع في المرء عدة أسباب، وقد يتصف بواحد منها، أو يطرأ له أحدها فيحول بينه وبين الاستشارة.
وسأذكر أهم هذه الأسباب، وبالذات الأسباب المباشرة دون غيرها من الأسباب غير المباشرة، وسأوضح كل سبب حسب ما يقتضيه المقام. والله الموفق والمعين.
1 -الكبر والإعجاب بالنفس: الكبر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"بطر الحق وغمط الناس" [2]
فالمتكبر بسبب بطره للحق وغمطه للناس لا يستشير، ومثاله فرعون الذي قال لقومه: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [3] [سورة غافر، الآية: 29] إن إعجاب المرء بنفسه لا يتيح له فرصة ليرى الناس على حقيقتهم، فالغرور يملكه فيصمه ويعميه، ويودي به إلى الاستخفاف بغيره، ومن ثم الاستخفاف بآرائهم وإمكاناتهم.
* إن الكبر والإعجاب أصل الداء وموطن البلاء، وما أصيب بهما أحد إلا هلك. إما في دنياه، أو في آخرته، أو فيهما معا، ولذلك ورد في الحديث:"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر" [4] . وقد ذم الله الكبر فقال -سبحانه-: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) [5] [سورة النحل، الآية: 3] وفي
(1) - البيت لأبي إسماعيل الطغرائي، كما في جواهر الأدب 2/ 438.
(2) - أخرجه الإمام مسلم (1/ 93، رقم 91) والإمام أحمد (1/ 385 و 427) وأبو داود"4092"كلهم عن ابن مسعود.
(3) - سورة غافر آية: 29.
(4) - أخرجه مسلم (1/ 93، رقم 91) ، وأبو داود (4092) والترمذي (1999) والإمام أحمد (1/ 385، 427) .
(5) - سورة النحل آية: 23.