إن للمشاورة فوائد جمة، سبق ذكر أهمها، وهذه الفوائد قد تخفى على بعض الناس، فلا يدرك قيمة الشورى، ويتصور أن ما يذكر حول أهميتها قد يكون مبالغا فيه، ويزداد الأمر خطورة إذا لم يدرك خطورة الفردية والاستقلال بالأمر دون غيره، ولا يعلم الآثار المترتبة على الفردية في القرار، وبخاصة إذا كان الأمر المعني لا يتعلق به وحده، وإنما هو من أمور المسلمين العامة، التي قد يتعدى أثر ضررها إذا وقع، ويصعب حصره والحد منه.
* ونظرة متأنية لواقع المسلمين اليوم، وما تقدم عليه بعض الجماعات من مواقف غير محسوبة النتائج يدرك ما أعنيه.
وقد يكون هذا الأمر ناشئا عن أسباب حقيقية، وقد يكون وهما وشكا ووسوسة -وهو الأغلب-. وإذا ضعفت ثقة الإنسان بمن حوله فلن يأتمنهم على أموره، ولن يثق في مشورتهم وآرائهم.
إن عدم الثقة إن كان ناشئا عن أسباب واقعية كالخيانة -مثلا-، وسطحية الرأي، ونحو ذلك فهذا أمر يعذر فيه الذي لا يستشير هؤلاء، ولكننا نقول له: هب أن هذه الصفة وجدت في بعض الناس، فلن تعدم ثقةً رزينا عاقلا، بعيد النظر، عميق التفكير، أما أن تعمم هذا الأمر على كل الناس فلا يسلم لك ولا يجوز.
أما إذا كان عدم الثقة بسبب صفة اتصف بها ذلك الإنسان، ولا علاقة لهذه الصفة بالرأي، كأن يكون فقيرا، أو من عائلة دون عائلة الأول، أو أقل مرتبة ممن يحتاج إلى الاستشارة، فنقول له: هذه أسباب وهمية لا تبرر عدم استشارته أو سوء الظن فيه، ولذلك قال الشاعر [1]
لا تحقر الرأي يأتيك الحقير به ... فالنحل وهو ذباب طائر العسل
(1) - هذا البيت لأبي بكر المقري كما في جواهر الأدب 2/ 432.