وكذلك قال الهدهد لسليمان -عليه السلام-: (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) [1] [سورة النمل، الآية: 22] ولم ينكر عليه سليمان -عليه السلام- مقولته، مع أن الهدهد من أضعف الطيور وأقلها شأنا وقيمة، وثبت صحة ما قاله، بل جاء بأمر جلل عظيم، كان له ما بعده كما في سورة النمل.
وهذا يختلف عن الكبر والإعجاب، مع أن بينهما تداخلا، ولكن الذي أعنيه هو عدم المبالاة، وسوء تقدير الأمور، فقد يتصور بعض الناس أن هذا الأمر الذي أقدم عليه يعتبر أمرا هينا، لا أثر له في حياة الناس، أو أنه يكون ضعيف الإحساس، بحيث لا يبالي بما يترتب على هذا الأمر من خطورة قد تجر إلى مصائب يصعب تلافيها وتداركها، وهو كذلك مستخف بالناس، لا يعنيه من عنتهم شيء، ولو كان هو السبب في هذا العنت والمشقة، وهو كما قال -تعالى- واصفا فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) [2] [سورة الزخرف، الآية: 54] .
إن من اتصف بصفة الاستخفاف والاستهتار لن يلجأ إلى الشورى، بل ليس أهلا لأن يكون من أهلها مستشيرا أو مشيرا.
ومن الأسباب أن بعض الناس يرغب في الاستشارة، ويعرف قيمتها وأثرها، بل قد يعزم عليها، ولكنه يسوف ويؤجل، وكل يوم يقول: سأستشير غدا أو بعد غد، وهكذا يماطل نفسه حتى يضيق الوقت، ويصبح أمام واقع لا خيار له في اتخاذ القرار، وقد يتخذ قرارا خاطئا يندم عليه لتفريطه، وتهاونه، وتسويفه، وعدم استشارته.
8 -العجلة والخفة وعدم رباطة الجأش: العجلة من الشيطان، ما صاحبت شيئا إلا أثرت فيه [3] ونعني بالعجلة ما كانت في أمرٍ الأصل فيه التريث والتأني.
(1) - سورة النمل آية: 22.
(2) - سورة الزخرف آية: 54.
(3) - هناك أمور مخصوصة ليست من العجلة، كتعجيل دفن الميت، وقول موسى، عليه السلام،"وعجلت إليك رب لترضى". /1 سورة طه، الآية: 84/ 1. ونحو ذلك.