فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 79

*و الحق أن شريحا كان ناصحا لابنه، فضلا عن نصحه لذلك الرجل، لأن أخذ الحق في الدنيا أهون من أخذه في الآخرة.

* ويقابل هذه القصة قصة أخرى حدثت منذ سنوات قريبة، حيث عزم أحد الناس على إقامة مشروع تجاري في منطقة من المناطق، وكان النظام لا يسمح بتعدد المشروع في منطقة واحدة، واختار منطقة ليس فيها مثيل لهذا المشروع، فذهب يستشير أحد التجار الذين أنشأوا مشروعا مماثلا في منطقة أخرى، ..

* فرحب به التاجر، وطلب منه أوراق المشروع ليبدي ملحوظاته عليها، على أن يراجعه بعد عدة أيام، ففرح هذا الرجل، وسلمه أوراق المشروع. فذهب التاجر من الغد إلى الجهات المعنية، وسجل المشروع باسمه.

* وبعد عدة أيام جاءه صاحب المشروع فأعطاه أوراقه، وقد كتب عليها ملحوظاته، فشكره الرجل وانصرف. وعندما ذهب للجهة المعنية لتسجيل المشروع فوجئ أن المشروع مسجل، ومن قِبَل من؟ سجله هذا التاجر الذي ائتمنه واستشاره، ولم يكن أمينا!! فإذا كانت الأمانة مطلوبة في أمور الدنيا، فإنها في أمور الدين والدعوة آكد وأهم، وقليل ما هم ..

* العقل زينة الرجال، وما أوتي الإنسان بعد الإسلام والعلم خيرا من العقل ..

والعقل يكسو المرء مهابة وجلالا. وسداد الرأي دليل على الرزانة والعقل، قال الشاعر [1] .

لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان

ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران

وقال الآخر [2] .

العقل حلة فخر من تسربلها ... كانت له نسبا تغنى عن النسب

والعقل أفضل ما في الناس كلهم ... بالعقل ينجو الفتى من حومة الطلب

ومنزلة العقل كبيرة، ولذلك وردت الآيات الكثيرة تنعي على الذين لم يؤمنوا، وتسمهم بأنهم لا يعقلون (أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [3] [سورة البقرة الآية: 44] (أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [4] [سورة الأنبياء، الآية: 67] (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) [5] [سورة البقرة، الآية: 171] والآيات في هذا كثيرة جدا .. وخلاصة القول:

إن من أهم صفات المستشار وسماته أن يكون عاقلا رزينا، ومن شاور الرجال شاركهم في عقولهم، فهل تريد أن تشارك في عقل ضعيف، أو عقل رزين مكتمل؟! وصدق الشاعر [6] .

وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيبا ولا تعصه

وقال الآخر [7] .

وعقل ذي الحزم مرآة الأمور بها ... يرى الحقائق والمجهول مجهول

مما تجدر العناية به أن يكون المستشار متخصصا في الأمر المتشاور فيه، إذا كان هذا الأمر مما يقتضي التخصص [8] .

*وذلك لأن الاستشارة نوع من الاستفتاء، والله- جل وعلا- يقول: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [9] [سورة النحل، الآية: 43.] .

(1) - انظر: جواهر الأدب 2/ 453.

(2) - انظر: جواهر الأدب 2/ 453.

(3) - سورة البقرة آية: 44.

(4) - سورة الأنبياء آية: 67.

(5) - سورة البقرة آية: 171.

(6) - البيت لعبد الله بن جعفر الطالبي وانظر: جواهر الأدب 2/ 424.

(7) - انظر: جواهر الأدب 2/ 454.

(8) - لأن هناك أمورا عامة لا تحتاج إلى ذلك.

(9) - سورة النحل آية: 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت