إنك عندما تنشد رأيا من أحد، فإنك تلجأ إليه في أمر له خصوصيته وقيمته، ورأيه قد يكون فاتحة خير لك، وقد يكون عكس ذلك، فإذا لم يكن الرجل تقيا، يراقب الله فيما يقول ويسمع، فقد يعطيك رأيا يأتي بخلاف ما أردت، وقد تكون له أهداف تخالف أهدافك، فيضرك من حيث أردت أن ينفعك.
* والتقوى أعم وأشمل مما ارتسم في أذهان كثير من الناس عن التقوى في معناها الخاص، وإنما المراد هو التقوى والورع بمعناهما الشرعي الشامل.
قال الإمام البخاري: وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء أهل العلم [1] . والاستشارة سؤال، والله -جل وعلا- يقول: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [2] [سورة النحل، الآية: 43] وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ما رأيت أحدا أحضر فهما، ولا ألب لبا، ولا أكثر علما من ابن عباس- رضي الله عنهما-، ولقد رأيت عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يدعوه للمعضلات، ثم يقول: جاءتك معضلة، ثم لا يجاوز قوله [3] ..
* وإذا أهم الأمر عمر دعاه، وقال له: غص غواص [4] . والمراد بالعلم هنا العلم المناسب للقضية المطروحة، والأمر المتشاور فيه، حيث يكون المستشار من أهل ذلك الأمر، لأن الجاهل قد يقوده إلى الطريق المعوج، كما قال الشاعر [5] .
ولا تبغ رأيا من خئون مخادع ... ولا جاهل غر قليل التدبر
ومن يتبع في أمره رأي جاهل ... يقده إلى أمر من الغي منكر
(1) - انظر: صحيح البخاري كتاب الاعتصام.
(2) - سورة النحل آية: 43.
(3) - انظر: ملامح الشورى ص 303.
(4) - انظر: ملامح الشورى ص 303.
(5) - انظر: جواهر الأدب 2/ 443، والبيتان لعبد الله فكري.